Get Adobe Flash player

الحجاب

الحجاب

ملخص الخطبة

1- تحذير الله ورسوله للمؤمنين من اتباع أهل الكتاب ومشابهتهم.

2- الدعوة للسفور والرد عليها بنصوص الكتاب والسنة.

3- شرح آيات الحجاب.

4- الكشف بين الأقارب من غير المحارم.

5- تحذير النبي النساء.

6- النقاب والرد على دعاة كشف الوجه.

7- مصافحة الأجنبية.

8- آداب خروج المرأة من بيتها.

 

الخطبة الأولى

فلما انتهينا من أدب الاستئذان على البيوت، وأتبعناه بالأيتين الكريمتين الآمرتين بغض البصر وحفظ الفرج، وقفنا في الآية الثانية -وهي الخاصة بالنساء- على مسائل مهمة، منها: مسألة الحجاب، ولم يكن الوقت وافيًا بالكلام عليها، فأردنا أن نفردها بخطبة خاصة نظرًا لتكرر السؤال في حقها. ما هو الحق في هذه المسألة؟

 

ونظرًا لما شغلت به هذه المسألة مجالس بعض الناس مناظرة وجدالاً وكلامًا كثيرًا حولها.

 

والحق أن هذه المسألة لم تكن لتشغل الناس على النحو الذي شغلتهم به، لولا رؤوس أطلت على المسلمين في الأزمنة الأخيرة تدعوهم إلى التشبه بمن نهانا الله ورسوله عن مشابهتهم، فأما نهي القرآن فهو في آيات كثيرة، منها أنه تهددنا بالخسران إن أطعنا الذين كفروا، قال في الآية التاسعة والأربعين بعد المائة من سورة آل عمران.

 

يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى? أَعْقَـ?بِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَـ?سِرِينَ [آل عمران:149].

 

وقال في حق اليهود والنصارى خاصة في الآية الحادية والخمسين من سورة المائدة: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ?لْكَـ?فِرِينَ أَوْلِيَاء [النساء:144].

 

وقال في الآية الموفية للمائة من سورة آل عمران: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـ?نِكُمْ كَـ?فِرِينَ [آل عمران:100].

 

وأما السنة المطهرة: فلقد ثبت عن أبي سعيد في الصحيح عن النبي قال: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم حذوا القذة بالقذة ـ الخطوة بالخطوة والشبر بالشبر، وما إلى ذلك في أحاديث أُخر ـ حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)) قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن!)) من إذن؟ هم بأعينهم. أطلت هذه الرؤوس على المسلمين تدعوهم إلى مشابهة الكفار. وعلى أن نأخذ عنهم مبادئهم ومناهجهم. فكانت النتيجة ركامًا تافهًا ضحلاً من المبادئ التي أخذناها لنستر بها عُرينا فَعَرِينا، ومن المناهج التي اقتبسناها لننسج منها آمالنا فنسجنا منها أكفاننا. دَعَوْا المسلمات المؤمنات بحجة التحرر، وبحجة إطلاقها من عقالها، وما كان إلا عقال العفة والحياء، ما كان عقال ظلم ولا عقال أسر. ما كان إلا عقال عفة وحياء، دعوها إلى الخروج لتساهم في خضم الفتن التي أقبلت على المسلمين من كل صوب وحدب، فخرجت وما أدراك خروج المرأة تبرج وسفور، وجرأة على أحكام القرآن والسنة، فأصبحت تمشي مِشية الرجل، تتجرأ جرأة الرجل، وتتصرف تصرفات أصبحت وبالاً وعارًا وشناراً على الأمة الإسلامية.

 

ورحم الله القائل الذي رد على أحدهم فقال:

 

نص الكتـاب على الحجاب ولم يُبح       للمسـلمــين تبــرج العـــذراء

 

مـاذا يريبـك من حجـاب سـاتر جيــد المهـات وطلعـة الزلفــاء

 

مـا يريبــك مـن إزار مـانـع       وزر الفــؤاد وضلــة الأهــواء

 

ما فـي الحجـاب سـوى الحيـاء       فهل من التهذيب أن يهتكن ستر حياء؟

 

هل في مجالسـة الفتاة سوى الهوى       لو أصـدقتـك ضمـائـر الجلسـاء

 

شـيّد مدارسـهن وارفع مسـتوى       أخـلاقهــن لصـالح الأبنــــاء

 

أسـفينة الوطـن العـزيز تبطـئ بالقعر لا يغـررك سـطح المــاء

 

وقال آخر:

 

بأبي وأمي ضـاعت الأحلام         أم ضاعت الأذهان والأفهـام

 

من حاد عن دين النبي محمد             أله بأمر المسـلمين قيــام

 

إلا تكن أسـيافهم مشهـورة             فينا فتلك سـيوفهـم أقـلام

 

ودعت الحاجة والضرورة إلى ذكر الدليل من القرآن والسنة على وجوب الحجاب، ودعت إلى ذكر مناقشة العلماء لأدلة القائلين بكشف الوجه والكفين.

 

فأما أدلة القرآن الكريم فقد مر بنا أحدها قوله تعالى في الآية الحادية والثلاثين من سورة النور: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى? جُيُوبِهِنَّ [النور:31]. وستأتي بعض الأحاديث التي توضح كيف أن نساء المهاجرين والأنصار امتثلن لهذه الآية فبادرن سريعًا على مروطهن فشققنها فاختمرن بها.

 

ثم قال الله تعالى في الآية الثالثة والخمسين من سورة الأحزاب: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـ?عاً فَ?سْـئَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذ?لِكُمْ [الأحزاب:53].

 

الحاجة الجميع إلى أطهرية القلوب ودوامها وبقائها.

 

وللنساء المسلمات في نساء النبي أمهاتهن المسلمات أسوة حسنة في الآداب الكريمة والأخلاق المستقيمة المقتضية للطهارة التامة بعيدًا عن التدنس بأنجاس الريبة ثم قال الله تبارك وتعالى في الآية التاسعة والخمسين من نفس السورة: قُل لاِزْو?جِكَ وَبَنَـ?تِكَ وَنِسَاء ?لْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـ?بِيبِهِنَّ [الأحزاب:59].

 

والأمر بإدناء الجلابيب هو الأمر بستر الوجه كما فهمه غير واحد، منهم ابن مسعود وابن عباس وعبيدة السلماني[1] من صحابة رسول الله . ثم ممن بعدهم من التابعين فهموه، وقالوا: تستر وجهها وتبدي عينًا واحدة، هذا وقرينة أخرى في هذه الآية تدل على خلاف ما ذهب إليه المبيحون، حيث قالوا: لم تدل هذه الآية على وجوب ستر الوجه لغة، ولم ينهض نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع على أن الأمر بإدناء الجلابيب يقتضي ستر الوجه في الآية قرينة واضحة تدل على ذلك إذ قال الله لرسوله : قُل لاِزْو?جِكَ ولم يقل ولا أحد من هؤلاء المبيحين المجيزين إن نساء النبي لم يؤمرن بستر الوجه. فلما ذكر الله تعالى أزواج النبي وبناته وأتبعهن بذكر النساء المسلمات فُهِم أنّ عليهن أن يكن على الوجه الذي عليه أزواج النبي وبناته من ستر الوجوه، ثم قالوا: أما قوله تعالى: ذ?لِكَ أَدْنَى? أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ [الأحزاب:59]. فهو ظاهر في كشف الوجه، وإلاَّ فكيف تُعرف المرأة إن لم تُظهر وجهها، وليس الأمر كذلك فالصحابة والتابعون فسروا هذه الآية على أن النساء كن يخرجن بالليل لقضاء الحاجة، فكان بعض الفُسّاق بالمدينة يتعرضون للإماء بالأذى، ولما كان بعض نساء المؤمنين لا يتميزن في زيِّهن عن زيّ الإماء كن يتعرضن لبعض ما تتعرض له الإماء. فأمرت نساء المؤمنين والحرائر بأن يتميزن عن زي الإماء، وليس في ذلك موافقة على أذى الفساق للإماء، بل دفع ذلك له سبيل وأدلة أخرى. لكن أمرن أن يتميزن حتى لا يتعرض لهن الفساق، وكان الفساق لا يتعرضون للحرائر ذ?لِكَ أَدْنَى? أَن يُعْرَفْنَ بأنهن حرائر فَلاَ يُؤْذَيْن.

 

ثم قال الله تعالى كذلك في سورة النور في الآية الستين: وَ?لْقَوَاعِدُ مِنَ ?لنّسَاء ?لَّلَـ?تِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرّجَـ?تِ بِزِينَةٍ [النور:60]. والقواعد أي العجائز اللاتي انقطع طمعهن في التزويج لا حرج عليهن، ولا جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ وهي في الأظهر من الأقوال ما يكون على الخمار، والقميص من الجلابيب، لا جناح عليهن أن يضعن الثياب عن الوجه غَيْرَ مُتَبَرّجَـ?تِ مع ذلك بِزِينَةٍ إن وضعن الثياب، فلا يتبرجن بزينة بالحلي والخضاب وما إلى ذلك مما نتزين به المرأة إن وضعت ثيابها فلا تكون سببًا في إغراء ولا فتنة ولا تحريض على فاحشة ودعوة إليها.

 

فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرّجَـ?تِ بِزِينَةٍ [النور:60]. ثم قال لهن: وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ [النور:60]. وأن يبقين بالثياب على وجوههن خَيْرٌ لَّهُنَّ إلا أن القرآن رفع عنهن الحرج والمشقة إن كن يشعرن بها بعد بلوغ هذه السن، فإن أرادت ما هو أفضل من حيث العفة فلتُبقِ على ثيابها على خمارها وعلى وجهها، فإنّ ذلك كما قال القرآن: خَيْرٌ لَّهُنَّ وَ?للَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ [النور:60].

 

وكان من أظهر الأدلة قوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى? جُيُوبِهِنَّ [النور:31]. لأن عائشة رضي الله عنها وهي التي فسرت هذه الآية كما في صحيح البخاري من طريق عروة مرة عليها ومن طريق صفية بنت شيبة أنها قالت: (يرحم الله النساء المهاجرات الأُول لما أُنزلت سورة النور: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى? جُيُوبِهِنَّ [النور:31]. قمن إلى مروطهن فشققنها فاختمرن بها)، شرح ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث فقال: تأتي بالخمار فتضعه على رأسها ثم ترمي بجانبه الأيمن على عاقتها الأيسر، -وهو التقنع- ترمي بجانب الخمار الأيمن على عاتقها الأيسر، وقالت كذلك في صحيح البخاري عن نساء الأنصار لمّا ذُكر نساء قريش، قالت: (إن لنساء قريش لفضلاً، ولكن ما رأيت أشد تصديقًا لكتاب الله وإيمانًا بالتنزيل من نساء الأنصار لما أُنزلت سورة النور انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أُنزل فيها فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين خلف رسول الله معتجرات (أن مختمرات) كأن على رؤوسهن الغربان.

 

هكذا كانت المسارعة والمبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى حتى ولو لم يكن عندهن ثياب تصلح للوفاء بما أُمرن به، قُمن فشققن ما عندهن من ثياب -هي لأغراض أخرى- فاتخذن منها خمرًا يسترن بها الوجوه. رضي الله عنهن وجزاهن خيرًا عن هذه المسارعة والمبادرة إلى امتثال أوامر الله خالقنا ورازقنا ومن له حق علينا، يأمرنا فنمتثل، وينهانا فننتهي تبارك وتعالى.

 

ثم إن في سنة رسول الله من التحذير من الدخول على النساء ما جاء عن عقبة ابن عامر في الصحيحين ما جاء عن رسول الله قال: ((إياكم والدخول على النساء)) هذا الأمر الذي فرطنا فيه كثيرًا وأصبح بيننا وبينه بونًا بعيدًا وفرقًا شاسعًا هائلاً، تنظر إلى أهل البيت الواحد فيهم من هو محرم، ومن ليس بمحرم، لكنهم ينظرون إلى البيت على أنه ما دامت الحياة فيه مشتركة فلا فرق. تكشف المرأة على زوج أختها وعلى أخ زوجها وغير ذلك، والحديث صريح؛ ((إياكم والدخول على النساء)) فقال رجل: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: ((الحمو الموت)).

 

والحمو هو قريب الزوج، كأخيه وابن أخيه وعمه وابن عمه وغيرهم.

 

وانظروا إلى الوعيد الشديد والتهديد البالغ، والتعبير الدقيق عن دخول هؤلاء النساء بأن هذا هو الموت، وهو أعظم مصيبة تأتي على الإنسان في حياته، قال: الموت، ((الحمو الموت))، دخول هؤلاء على من لا يحل من النساء هو الموت.

 

ثم جاء عند البزار وأخرجه الترمذي والطبراني وقال الهيثمي: رجاله موثوقون ما يدل أيضًا على وجوب الحجاب وعلى ضرورة إنكفاف المرأة في بيتها إلا لحاجة وضرورة.

 

عن ابن مسعود عن النبي قال: ((إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان)) وزينها للناظرين حتى ولو كانت محتجبة، فبقاءها في بيتها وانكفافها فيه أصون وأعون على العفة وعلى الحياء. هذا ما ورد في القرآن وفي السنة مما يوجب الحجاب على النساء المؤمنات. ثم جاءت بعد ذلك أدلة أخرى احتج بها المبيحون والمجيزون نذكرها بعد قليل إن شاء الله وقدّر.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

[1] عبيدة السلماني ليس معدوداً في الصحابة (الفريق العلمي).

 

 

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

 

في صحيح مسلم، عن جابر رضي الله عنه قال: شهدت الصلاة مع رسول الله صلاة العيد بغير أذان ولا إقامة قبل الخطبة ثم قام متوكئا على بلال يعظ النساء، وأخذ في الحث على تقوى الله تبارك وتعالى وطاعته وقال: ((وتصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار)) فقامت امرأة من وسط النساء سفعاء الخدين، قالت: ولم يا رسول الله؟ قال: ((لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير)) تكثرن من الشكاية وتكفرن العشير.

 

فجعل النساء يتصدقن بالحلي فيلقين بأقراطهن وخواتمهن، وبلال يأخذ في طرف ثوبه، يفتدين أنفسهن من النار بمجرد أن علمن أنهن أكثر أهل النار بسبب ما يُقْدِمن عليه من كثرة الشكوى، ومن جحود فضل الزوج، والشاهد من الحديث الذي احتجوا به "سفعاء الخدين".

 

قالوا: لو لم يكن كشف الوجه جائزٌ لما رأى جابرًا خديها، وسفعاء الخدين: أي في وجهها سواد يعبر عنه أيضاً بالقبح.

 

لكن الإجابة على هذا الدليل تتلخص في أن النبي لم يسكت أبدًا، وليس في مُكنة المبيحين أن يدعوا ذلك، لم يكن النبي ليرى ذلك. ما رآه ولا أقره ولا وافق عليه، إنما الذي ثبت أن جابرًا رأى ذلك، ويُحتمل أن يكون ذلك مما يحدث لبعض النساء من سقوط الخمار أحيانًا، وهذا وارد.

 

قال النابغة:

 

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه         فتناولته واتقتنا باليد

 

قد يسقط ولا تريد إسقاطه، ثم إنّ هذا الحديث رواه أبو سعيد وابن عباس وابن عمر كما أخرجه مسلم رحمه الله فلم يذكروا ما ذكره جابر، فلعل ذلك وقع لجابر ولم يقع لهن. ثم لعل هذا القبح وهذا السواد في الخدين موافق ومقارن لتقدم في السن وطعن فيه. فلم يؤبه له ولم ينكر ذلك عليها، والله أعلم.

 

وأمّا حديث ابن عباس رضي الله عنهما في المرأة الخثعمية أن الفضل بن عباس جعل ينظر إليها وتنظر إليه، وكان الفضل رجلاً وضيئًا، وكانت المرأة وضيئة ففيه ما في الحديث الماضي، وزيادة على ما فيه أن النبي لما لاحظ أن الفضل ينظر إليها جعل يصرف وجهه إلى الشق الآخر، ويكفي ما في ذلك من عدم موافقة النبي على تبادل النظرات بين الرجل الأجنبي والمرأة الأجنبية، وربما كان الفضل يعرفها قبل ذلك كما قال العلماء، أو وقع لها ما وقع للمرأة الأخرى، أو لأجل أن إحرام المرأة في وجهها وكفيها، وعلى المرأة أن تفعل كما فعلت عائشة وغيرها من النساء أن يكشفن إذا لم يمر بهن رجال أجانب، فإذا مروا بهن فليسترن وجوههن.

 

هذا ثابت عن عائشة رضي الله عنها وعن غيرها من النساء، فهذا هو ما في هذا الحديث.

 

وأما حديث أسماء فقد مر بنا في الأسبوع الماضي.

 

والكلام للمُنصفين، هل يقاوم ذلك ما في الأحاديث الثلاثة: حديث أسماء وحديث جابر وحديث ابن عباس؟ هل يقاوم الأوامر الصريحة في القرآن الكريم في غير ما آية وفي سنة رسول الله في أحاديث صحيحة مفهومها، واضح من النهي عن الدخول على النساء والنظر إليهن والاختلاط بهن، وما إلى ذلك.

 

المنصف يقول: لا والله لا تقاوم هذه هذه، التي احُتج بما فيها. وليس في واحد منها أن رسول الله رأى ذلك. هل نسب أحد الصحابة شيئاً من ذلك إلى النبي وأفاد بأنه أقر النساء على ذلك. أبدًا ما وقع ذلك.

 

ثم إن هناك بعض الأحكام نُشير إليها لتأخذ بها النساء المسلمات المؤمنات:

 

فعلى النساء والرجال الذين بينهم حُرمة، نساء أجانب ورجال أجانب ألا يصافح الرجل المرأة الأجنبية لما ثبت عن النبي أنه قال: ((إني لا أصافح النساء)).

 

وقال الله في الآية الحادية والعشرين من سورة الأحزاب: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ?للَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

 

فالتأسي به يقتضي ألا يمس الرجل الأجنبي بشيء من بدنه بدن المرأة الأجنبية، وكذلك شاع في بعض البلاد الإسلامية، وعند بعض المسلمين أن الرجل يُقبل أخت زوجته في فمها، ويُسمى هذا التقبيل الحرام بالإجماع سلامًا، فينبغي التباعد عن كل ما من شأنه إباحة وتعدي حرمة بين الرجل الأجنبي والمرأة الأجنبية.

 

وكذا على المرأة إذا خرجت ألا تتطيب وألا تستعطر لما جاء عند الترمذي من حديث أبي موسى بسند حسن صحيح عن النبي : ((إذا خرجت المرأة فاستعطرت ومرت بمجالس القوم فهي كذا وكذا)) يعني زانية.

 

وثبت عن أبي هريرة أنه أمر امرأة كما عند أبي داود أن ترجع فتغتسل، لأنها خرجت فاستعطرت ومرت بالقوم وقال لها: يا أُمية الجبار هل جئت المسجد؟ فقال: نعم. هل تطيبت؟ قالت: نعم. فقرأ عليها أنه سمع رسول الله نهى عن ذلك.

 

ومما ينبغي أن تراعيه المرأة أيضًا كما ثبت عند أبي داود من حديث أبي أسيد النصاري أن عليها ألا تمشي في وسط الطريق إن خرجت إلى الشارع فإن ذلك من التبرج كما قال العلماء بل عليها أن تأخذ حافة الطريق، فعن أبي أسيد النصاري أنه سمع النبي وقد خرج من المسجد، واختلط الرجال بالنساء، فقال النبي للنساء: ((استئخرن فإنه ليس لكن أن تحتضن الطريق، عليكن بحافة الطريق)) فكانت المرأة تلتزم بحافة الطريق حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به.

 

هذه بعض الأحكام التي ينبغي أن تأخذ بها المرأة، وينبغي أن تتحلى به حتى تلحق بالخُيِّرات من نساء المسلمين والمؤمنين الأوائل.

 

أسأل الله العلي العظيم أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث