Get Adobe Flash player

المرأة والمؤتمرات الدولية

المرأة والمؤتمرات الدولية

السعودية / د. أسماء بنت راشد الرويشد 

إن مما نتفق عليه أن التشريع الإسلامي منهج حياة متكامل ومتوازن، وجاء هذا المنهج ليكفل مصالح البشرية ويسير بها نحو نموها الحضاري.

فحري بنا نحن المسلمين أن نفخر بهذا المنهج، وأن نمضي عليه في جميع مناحي حياتنا، ونرجع إليه في مستجدات أوضاعنا لنتمتع بالاستقرار والأمن والتمكين الذي تلتمسه وتسعى إليه دول العالم قاطبة..

ومن تلك المستجدات "قضايا المرأة المعاصرة" والاتفاقيات الدولة المعنية بتلك القضايا، فلا بد من عرضها على تشريعنا الإسلامي، فما لم يخرج عن إطار شرعنا، مما تقوم به مصالحنا قبلناه، والحكمة ضالة المؤمن فمتى وجدها فهو أحق بها، وما خالفه منها رفضناه أيا كانت المبررات والمزاعم.

لذا كان لا بد من النظر والتأمل فيما وراء بنود تلك الاتفاقيات من منطلقات وما ترمي إليه من أهداف وآثار.

ومن أخطر تلك الاتفاقيات والمواثيق الاتفاقية المسماة: "اتفاقية إزالة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة"، المعروفة باتفاقية "السيداو"، إذ من بين بنودها ما يتعارض بشكل صريح أو ضمني مع تشريعات الدين الإسلامي، كما أنها تؤدي إلى التغيير الجذري في النظم الاجتماعية، وتؤدي كذلك إلى نتائج خطيرة في البناء التربوي والأسري.

ومن أخطر بنود "السيداو" الدعوة إلى تغيير الأنظمة والقوانين والأعراف التي تشكل تمييزا ضد المرأة، وبناء على تلك المادة فإن أي حكم في ديننا تختلف فيه المرأة عن الرجل يجب أن يزال.. وهذا معناه إلغاء أحكام كثيرة من شريعتنا في أبواب العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية وغير ذلك..وهذا مالا يمكن أن نقبل به، بالإضافة إلى بنود خطيرة جدا انبثقت من تلك الاتفاقية، ومنها:

الدعوة الصريحة إلى حرية العلاقات الجنسية المحرمة، والاعتراف بالشذوذ الجنسي، والسماح بأنواع الاقتران الأخرى غير الزواج، والتنفير من الزواج المبكر وسن قوانين تمنع حدوث ذلك، والتركيز على التعليم المختلط بين الجنسين وتطويره، وتقديم الثقافة الجنسية في سن مبكرة وغيرها مما يتصادم بشكل واضح مع القـيم والثوابت الدينية لنا(*)

لذا فمن الواجب علينا أن ندين تلك البنود ونعلن رفضنا اتجاهها، مع العلم أننا لسنا وحدنا من يعارض بعض ما تنص عليه تلك المواثيق، وذلك بسبب مخالفتها للقيم البشرية والمصالح الاجتماعية، فهناك بعض الدول التي تحفظت على بنود الاتفاقية عند توقيعها، ومنها إسرائيل والهند وبريطانيا، وبلغ مساحة تحفظاتها ثلاث صفحات..!!

بل إن هناك دولاً لم تصادق عليها مطلقاً مثل سويسرا والولايات المتحدة الأمريكية والكاميرون..

وأيضا فإن الكثير من عقلاء الغرب أفرادا ومؤسسات نقدوا هذه الاتفاقيات لأنهم رأوا فيها هدماً لمفهوم وكيان الأسرة.

ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى أن الاتفاقية تراعي مبدأ حقوق المرأة دون أن تلزمها بواجبات، وذلك مدخل لكسب تأييد النساء لها، ومن البديهي أن الحق لا بد أن يقابله واجب ليقود إلى التوازن المطلوب في المجتمعات، وهو مما يؤخذ على هذه الاتفاقية.

إن ما يحدث اليوم من التمحور حول المرأة السعودية وما يصحب ذلك من إثارة إعلامية، ما هو إلا جزء من مخطط يُرسم لمسيرة المرأة السعودية بخط بياني منحدر، وهو تكملة لحلقات مسلسل السيطرة والزحف التغريبي على المرأة في المجتمعات الإسلامية.

المشكلة أنهم يظهرون بمظهر الحريص على حقوق المرأة السعودية وعلى تفعيل دورها التنموي وعلى رفع الظلم عنها وإعادة حقوقها المسلوبة كما يدَّعون، وأقرب مثال لذلك خدعة إبليس للأبوين {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} (الأعراف: 21)، فهم يجيدون خلق المبررات الملفقة والموهمة لتوجيه الأفكار وخلق القناعات.

ومن تلك المبررات، نشر دعوى مفادها أن المرأة السعودية مظلومة ومضطهدة ومسلوبة الحقوق، ومع التسليم بأن المجتمع السعودي كأي مجتمع آخر يوجد فيه صور من الظلم، ويعيش متغيرات تؤثر على أوضاعه الاجتماعية في ظل ضعف أو غياب الوعي بالمسؤوليات والحقوق والواجبات أو اختلال بعض المفاهيم لدى أفراده؛ مما نتج عنه ظهور صور من الممارسات السلبية في التعامل الاجتماعي والأسري..

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه:

هل هذه الاتفاقيات وضعت من أجل مناصرة المرأة السعودية أو غيرها من النساء في المجتمعات الإسلامية وحل مشاكلها؟! بالتأكيد لا...!

نحن على قناعة تامة بأن الهدف الأساس لهذه المخططات هو فرض الأنموذج الاجتماعي الغربي على العالم وصياغة نمط فكري وسلوكي موحد على العالم تلتزم به جميع الشعوب.

إن معالجة قضايا المرأة وحل مشكلاتها يكمن في تصحيح المفاهيم المغلوطة اتجاه المرأة وبث الوعي بأهمية دور المرأة في بناء المجتمع واستقراره، ونشر ثقافة الحقوق والواجبات بين أفراده، الذي تكفل الشرع برسم لوائحه والإلزام بتطبيقه، ثم يبقى الأخذ على يد الظالم وكفه عن ظلمه، في وقت ندرك أننا قادرون على أن نتولى أمورنا ونصلح أوضاعنا بدون تدخلات أجنبية.

ومن المؤكد أن الأمور تسير وفق سياسات وأهداف مرسومة من قبل مستويات عالمية رفيعة، وهو بمثابة تهيئة وتطبيع للمجتمع لتنفيذ مواد اتفاقيات المؤتمرات الدولية المناوئة للشريعة، والتي تمليها منظومة قرارات هيئة الأمم المتحدة على الدول المشاركة، وأقرب دليل على ذلك التقرير الأخير الصادر عن لجنة حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بما حوى من افتراءات وأباطيل حول أوضاع المرأة المسلمة وحقوقها في الإسلام.

وعندما أثبتت الأحداث ومجريات الأمور عدم تقبل مجتمعنا للكثير مما تمليه تلك القوانين، بدؤوا بحملات إعلامية وإصدار تقارير ملفقة، كنوع من إيجاد القناعات والإيهام بأن التغيير قادم لا محالة وأن الواقع لم يعد مقبولا ولا مطاقاً.

والحمد لله المجتمع السعودي عموما شعب محافظ على دينه وقيمه تربى على عقيدة التوحيد والتسليم لشرع الله، وما نراه ونسمعه من مطالبة لتطبيق تلك الاتفاقيات صادر عن فئة تشربت بالقناعات والفكر الأجنبي، واغترت بمبررات ودعاوى تلك المطالبات تحت شعار "حقوق المرأة".

ونحن السعوديين كلنا أمل وثقة بعون الله وتوفيقه، ثم بقيادة حكومة خادم الحرمين الشريفين - وفقه الله-، حيث أعلنها مدوية بأن دستورنا القرآن حكومة وشعباً.

وهنا تتأكد قواعد الدين الكبرى، من التحام الشعب مع القيادة والتمسك بمبدأ الجماعة، لإرساء دعائم الأمن والدفاع عن حمى الدين.

ثم ينبغي أن يستوعب مجتمعنا بشكل عام وأصحاب الأمر والرأي والمصلحون بشكل خاص خطورة هذه الاتفاقيات وما ترمي إليه من أهداف.

كما لا بد من إبراز دور المرأة السعودية الريادي في مجالات التربية والتعليم والإنجاز العلمي في شتى مجالاته، والإصلاح الاجتماعي، مع إبراز ما تملكه المرأة من قيم إسلامية ومنهج رباني، والذي يعطي الصورة المنعكسة للسواد الأعظم من النساء في هذه البلاد المباركة.

لذا نحن بحاجة إلى التركيز على النقد العلمي المنهجي لمواجهة هذه الحملات، بالتنبيه المبكر قبل فوات الأوان وأخذ العبرة من تجارب التغريب في البلاد الإسلامية الأخرى، وتعريف الناس بنهايات هذه الاتفاقيات واستعراض تجارب الغرب الأليمة ونشر الثقافة الشرعية لاسيما في حق المرأة الصريح.

لذا أدعو أختي المسلمة في كل مكان أن تعي دينها وعقيدتها وأن تعرف حقوقها التي أعطاها الإسلام، وأن تكون على إطلاع وصلة بكل ما يتعلق بشؤونها لتتحدث هي عن نفسها بحق وجدارة.

وهذه الاحتياطات لا تزال قائمة بل هي من أهم الأسباب التي ساهمت في عرقلة مسيرة تلك التحركات في بلادنا، ولكننا نحتاج إلى مزيد من التوعية الشاملة حول خطورة هذه الاتفاقيات والأهداف التي وراء هذه الشعارات، والتي يسوق لها تحت شعار "حقوق المرأة".

كذلك نحن بحاجة إلى مزيد من مضاعفة الجهد بالتخطيط المدروس والحذر والمواجهة.

وأخيرا... لا بد من العودة الصادقة إلى الذات ومحاولة إصلاح الخلل الذي طرأ على مجتمعنا الإسلامية، فصحيح أن الإسلام كفل للمرأة الحقوق، لكن هذا لا يعني أن هذه الحقوق تطبق على وجهها الصحيح في كثير من المجتمعات التي تحتكم إلى الأعراف والمفاهيم الموروثة أكثر مما تحتكم إلى التشريع الإسلامي.

إذن الحل هو الرجوع إلى ديننا الحق وإعطاء كل ذي حقاً حقه، وفق سياستنا الشرعية، ليتحقق لنا ما وعدنا الله تعالى به في قوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (55) سورة النــور.

أضف تعليق


كود امني
تحديث