Get Adobe Flash player

ماذا يريدون من المرأة؟!

ماذا يريدون من المرأة؟!

 ورقة عمل مقدمة لمؤتمر:

 اتفاقيات ومؤتمرات المرأة الدولية وأثرها على العالم الإسلامي

 يقدمها أ.د.. ناصر بن سليمان العمر

 

 المحتويات:

 ماذا يريدون من المرأة؟

 من هم؟

 

 أولاً: العقلانيون العصرانيون المنفتحون المنتسبون إلى العلم.

 

أمثلة.

 

في مصر.

 

في السودان.

 

في الكويت.

 

في تركيا.

 

المقاصد الحسنة لا تكفي

 

ثانياً: المنافقون

 

قواسم مشتركة بين المنافقين قديماً وحديثاً

 

عملهم في كل بلد بحسبه

 

الفرق بينهم وبين الفريق الأول

 

سيناريو إفساد المرأة في العالم الإسلامي

 

من وسائل هذا الفريق في المجتمعات الإسلامية

 

ثالثاً: القوى الخارجية.

 

من أمثلة المنظمات الدولية العاملة في مجال الأسرة والمرأة

 

المؤتمرات الدولية وما يريده مؤتمريها من المرأة

 

وسائل أخرى للقوى الخارجية

 

وقفات

 

وفي الختام

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ماذا يريدون من المرأة؟

 

من هم؟

 

          لكل فكر تقديره لقيمة المرأة، وتصوره لطبيعة دورها في المجتمع، والذي يريد أن يقدِّم فكره عليه أن يتعرف على فكر الآخرين المؤثرين في المجتمع، ثم يحدد الطريقة المناسبة للتعامل معهم. ونحن كمسلمين نريد أن نرد المرأة للطريق الذي ارتضاه لها رب العالمين، علينا أن نحدد المؤثرين في الواقع الذي نتعامل معه، ونتعرف على نظرتهم للمرأة والطرق التي يسلكونها لفرض رؤيتهم على المجتمع.

 

وسنتناول ثلاثة اتجاهات بينها تفاوت في نظرتهم إلى قضية المرأة ومبتغاهم منها، الاتجاه الأول يمثله بعضنا، وهم لا يتفقون مع مراد الاتجاهين التاليين بل يحاربونه، ونحسب أن بعضهم فيه خير كثير، غير أن سبيلهم خطرة مفضية بالنساء إلى ما يريده الاتجاهان الآخران، ولهذا كان لابد من وقفة حازمة مع سبيلهم مع عذرنا لكثير من الأفاضل الذين تأثروا بهم، وهذه الاتجاهات الثلاثة هي:

 

أولاً: العقلانيون أو العصرانيون المنفتحون من منسوبي العلم.

 

ثانياً: المنافقون أو التغربيون أو العلمانيون أو اللبراليون الذين ينتسبون إلى الإسلام ويتمسحون به.

 

ثالثاً: القوى الخارجية وهي كثيرة أجمل الحديث عنها.

 

 

 

 

 

أولاً: العقلانيون العصرانيون المنفتحون المنتسبون إلى العلم:

 

ولست أريد هنا الحديث عمن تأثر بأمثال هؤلاء وإنما الحديث عن طائفة عصرانية تريد تطويع الشرع لينسجم مع واقع العصر، قليلة التفكير في هم الشرعيين الذي هو إصلاح الواقع (العصر) بالشرع، وواقع حال العصرانيين أنهم يسعون في كل قضية لمسك العصا من المنتصف كما يقولون، يحاولون عن طريق الكلام العام المجمل، والأقوال الضعيفة الشاذة، وما يسمونه فقه التيسير ومراعاة المصالح أن يقربوا بين فكر المتحررين وبين ما جاءت به شريعة رب العالمين، فلا يرضى عنهم حملة الشريعة العدول، ولا دهاقنة التحرر من أرباب الفكر الغربي، وهؤلاء العصرانيون قد تكون نواياهم حسنة، وقد يكونون مخلصين في قصد إنقاذ أمتهم الإسلامية بصفتها هذه مما هي فيه من ترد وانحطاط لتواكب المجتمعات المتقدمة في أسباب الدنيا، لكنهم شعروا بذلك أو لم يشعروا إنما يمهدون الطريق –في كثير من المجتمعات المحافظة- لأولئك الذين يزعمون أنهم يريدون أن يحرروا أمتهم ويرون أن الإسلام -وليسموه ما شاءوا: الرجعي، الراديكالي، السلفي، المحافظ فليكن- هو أولى العقبات التي ينبغي أن تزال في طريق التحرر. وخطورة هؤلاء العصرانيين المنفتحين، والإسلاميين العقلانيين تكمن في أن المجتمعات المحافظة تثق في الشيخ العصراني المنفتح أكثر من ثقتها في المثقف اللبرالي، وتتقبل كلام الشيخ المتحرر أكثر من تقبلها لكلام "العلماني". حتى إذا ما انهار الحاجز بين المجتمع المحافظ ودعوات الانفتاح سهل تقبله لتلك الدعاوى من كل من هب ودب. وذلك ما يفسر سعي الجهات التغريبية لاستنساخ نموذج الإمام الأكبر والشيخ الطهطاوي، ثم الجابري، فأراكون في كل بلد مستمسك بدينه، ولسائر هؤلاء أقاويل في ما يتعلق بالمرأة تتمسح بالنص القرآني ولاسيما الثلاثة الأوائل، أما الأخير فلعله درجة خارج الإطار الإسلامي.

 

وتقارير مؤسسة راند ومشاريع الشرق الأوسط الكبير تؤكد أن هدف أعداء الأمة المرحلي هو سيادة ما يسمونه الإسلام المعتدل –باصطلاحهم هم- وهو الذي يتقبل الآخر ويتعايش معه بالتنازل له، ولاشك أن الخطوة الثانية هي ذوبان هذا الإسلام المعتدل في الآخر ثم زواله واختفاؤه.

 

 

قد يظن بعض هؤلاء العصرانيين أو المتأثرين بهم أن الضوابط والقيود التي يضعونها عند تقبلهم لدعوة تخالف الشائع في مجتمعاتهم المحافظة ضماناً كافياً لحماية المجتمع مما قد يجره الفعل المعين من المنكرات، لكن الواقع يقول أن تلك الضوابط كثيراً ما تكون نظرية فقط، وإن حصل تقيد ببعض الضوابط فيكون في بداية الأمر فقط، حتى إذا ما ألف الناس التفلُّت واستمرؤوه بحجج الحريات وحقوق الأقليات وحق المساواة... اندفع الكثيرون لممارسته دون زمام أو خطام، بالإضافة إلى أن كثيراً من الناس يكتفون من الفتوى بكلمة يجوز أو لا يجوز دون الالتفات للتفاصيل.. والشريعة قد جاءت بسد الذرائع ومن الأسباب المؤدية للمعاصي فكيف بالمعاصي نفسها!

 

ومن ناحية أخرى فقد رأينا كيف يتدرج الحال بكثير من السمَّاعين للعصرانيين العقلانيين فمن الدعوة للالتزام بالنص الشرعي مع التماس الرخص واختيار الأيسر للاكتفاء بروح النص كما يقولون ثم ينتهي بهم الأمر للمخالفة الصريحة للنصوص، بحجة النظر لها في ظروف زمانها، وملابسات أوانها.. ولكل عصر ظروفه وأحكامه!

 

أمثلة:

 

في مصر:

 

          كما هو معروف فإن مصر قد شهدت حرب التغريب قديماً وكان للعصرانيين أثرهم البالغ فيها، وكان الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي والشيخ حسن العطار شيخ الأزهر في ذلك الزمان من ذخيرة التغريبيين الحية التي استخدمت في أرض المعركة. فقد زكي الشيخ حسن العطار كتاب الطهطاوي "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" الذي دعا فيه صراحة إلى السفور والاختلاط، وأثار قضايا تعليم الفتيات، وتعدد الزوجات، وتحديد الطلاق، ودعا إلى الاقتداء بالفرنسيين في إنشاء المسارح والمراقص! بل زعم أن الرقص على الطريقة الأوروبية ليس من الفسق في شيء وإنما هو أناقة وفتوة. وبعد تزكية شيخ الأزهر لهذا الكتاب أمر محمد علي باشا بطبعه، وأصدر أمره بقراءته في قصوره، وتوزيعه على الدواوين، والمواظبة على تلاوته، والانتفاع به في المدارس المصرية، بل إنه أمر بترجمته للتركية[1].

 

لم يتقبل الناس كلام الطهطاوي في بادئ الأمر بل عارضوه معارضة عنيفة، حتى إذا ما جاء الجيل الذي انتفع بالكتاب المذكور في المدارس لم يعارض كتابي قاسم أمين اللذين جاءا بعد نصف قرن من معارضة آبائهم لكتاب الطهطاوي رغم أن قاسماً قد قال صراحة في كتابه الثاني "المرأة الجديدة" أن على المرأة المصرية أن تصنع كما صنعت أختها الفرنسية ، لكي تتقدم وتتحرر ، ويتقدم المجتمع كله ويتحرر.

 

أما بعد أن قطعت مصر شوطاً كبيراً في ميدان التغريب والانسلاخ عن الإسلام فقد كان لابد من الاستعانة بهذا النوع من الشيوخ سواء كانوا حسني النية أو سيئي الطوية ليغطوا سوءات الواقع بلباس الإسلام المعتدل، ولتخالف المرأة شريعة ربها وهي تظن أنها تحسن صنعاً، وليوصم كل من يحاول أن يخرج عن هذا الخط ممن له حظ من العلم بأنه متشدد، وانظر في الفتاوى الملزمة بالآراء الشاذة من قبل بعض أكابر المشايخ منصباً؛ وقد أفتى بجواز التحاق الفتيات إلى الكليات العسكرية والجيش! وأفتى بجواز تحويل الرجل إلى أنثى بشروط! وأفتى بجواز تكوين منتخب نسائي لكرة الطائرة يمثل مصر ولكن بالحجاب! والحجاب عنده لا يعني النقاب طبعاً فهو عادة لا علاقة لها بالدين كما زعم، بل ينبغي أن تعلن الحرب عليه باسم الدين لذا رأيناه يرغم طالبة بالصف الثاني الإعدادي على خلع النقاب أمام الكاميرا ويسخر منها، ويؤيـّد وزير التعليم على منع دخول المنقبات المدارس إلاّ بعد موافقة ولي الأمر! ويصدر فتوى بمنع المنقبات من دخول الجامعـات. أما الحجاب الذي اشترطه على لاعبات الفريق المصري فقد تخاذل عن الدفاع عنه لما استقبل في الأزهر نيكولا ساركوزي الذي كان وزيراً للداخلية وقتها وأصدر قراراً يمنع المحجبات دخول المؤسسات الحكومية الفرنسية، وزعم الشيخ أن ذلك شأن فرنسي داخلي لا ينبغي أن تطاله الفتاوى بالتحريم.

 

كما أفتى بأن المرأة تصلح أن تكون رئيسة للجمهورية، وأنها تتمتع بالولاية العامة التي تؤهلها لشغل المنصب! والطامة الكبرى أنه أصدر فتوى يؤيـد فيها توصيات مؤتمر المرأة الخبيث في بكين! أما من يعارض فتاويه هذه فيحال للتحقيق كما فعل بالدكتور إبراهيم الخولي، والدكتور محمود حماية، والدكتور يحيى إسماعيل، وحل جبهة علماء الأزهر وعين من يواليه، ومنـع طبع فتاوى الشيخ جاد الحق، لأن بعضها يتعارض مع فتاويه.

 

في السودان:

 

أما في السودان فقد بدأ تغريب المرأة بالدعوة لإشراكها في التعليم النظامي وكان الرائد في هذا المجال بابكر بدري، الذي كان أول أمره الرجل المجاهد الذي قاتل الإنجليز حتى أسروه، ثم عاد وقاتلهم حتى سقط السودان في قبضتهم، ثم أسر (المجاهد) فعاش في مصر حيناً ثم رجع بأفكار جديدة! أسس بابكر بدري أول مدرسة ابتدائية للبنات في السودان عام 1907م على النمط الغربي وأدخل فيها بناته وبنات عائلته واستطاع أن يقنع الأهالي بإدخال بناتهم فيها رغم معارضتهم العنيفة بادئ الأمر لفكرة تعليم البنات صيانة لهن وخوفاً عليهن. ولما لم تكن ثمة مدارس متوسطة للبنات في ذلك الزمان إلا مدارس الإرساليات النصرانية فلم يكن أمامه إلا أن يلحق بناته وخريجات مدرسته بها أو يتوقفن عند ذلك الحد، فدفعته المصلحة العامة الموهومة لاختيار الخيار الأول وتعرضت الطالبات لفتنة التنصير وتنصرت إحداهن بالفعل[2]. وفي عام 1921م أسس الإنجليز كلية المعلمات فرفض المجتمع إلحاق البنات بها لأنها كلية داخلية تلزم الطالبات بالبقاء فيها حتى لو كانت بيوتهن قريبة من المدرسة، فتصدى بابكر بدري مرة أخرى لإقناع الأهالي وألحق إحدى بناته واثنتين من بنات أخواته بها، واقتنعت إدارة المعهد بالسماح باستضافة جدات الطالبات وقريباتهن معهن في السكن فانطلت الحيلة على الناس وادخلوا بناتهن، ثم عجزوا عن الاستمرار في مرافقتهن فكان ما أرادت الإدارة وألف المجتمع الوضع الجديد.

 

استمر احتضان الإنجليز لمدارس بابكر بدري فتوسعت ثم أنشأ ابنه جامعة الأحفاد للبنات بعد وفاته بأحد عشر عاماً وهي الآن واحدة من أكبر منابر الدعوة لتغريب المرأة المسلمة في السودان، المتبنية لمقررات سيداو، الداعية لنشر ثقافة الجندر في المجتمع، وذلك عن طريق جمعية بابكر بدري للدراسات النسوية، وقسم دراسات الجندر والتنمية بقسم الدراسات العليا فيها. كما أنها تلزم الطالبات في كل الكليات بدراسة نظريات السكان ودراسات النوع الاجتماعي والمشاركة في الأبحاث الميدانية في المناطق الريفية. كما أن بها عيادة للصحة الإنجابية توفر المشورة ووسائل منع الحمل للطالبات والقاطنات في الأحياء المجاورة. والجامعة شريك لصندوق الأمم المتحدة للسكان في تنفيذ برامجه[3]. وهكذا بدأ الأمر بكسر الحاجز بين المجتمع والتعليم الغربي الحديث واعتماد مناهجه ومقرراته بحجة المصلحة العامة وانتهى بتبني كل ما يصدر عنه والتبشير به وتزيينه في أعين الناس.

 

في الكويت:

 

أما الكويت فآخر مظهر من مظاهر تغريب المرأة فيها كان ظهور فريق نسائي لكرة القدم على شاشة إحدى الفضائيات، فتأمل ما هي الدواعي التي مهدت لتلك الحالة؟

 

بدايات القصة فتوى صادرة من إدارة الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تجيز ممارسة المرأة للألعاب الرياضية المناسبة لطبيعتها والمشاركة في البطولات الخاصة بالنساء بشرط الأمن من اطلاع الرجال عليهن وذلك بحجب المكان حجباً كاملاً عن النظر، وأن تتولى مشرفات تدريبهن والإشراف عليهن، ويشترط فيما تلبسه المرأة أن يكون ساتراً لمحل العورة ما بين الصدر والركبة، وألا يكون ضيقاً يصف موضع العورة أو رقيقاً بما يسمح أن يظهر منه لون البشرة، كما لا يجوز أن تتعرى النساء عند الاستحمام أو تبديل الثياب أمام بعضهن. فانفتح الباب واحتُرمت القيود في بادئ الأمر إلى أن انفلت الزمام –في فترة وجيزة- وشارك الفريق النسائي الكويتي لكرة القدم في عدد من المنافسات الدولية ونقلت إحداها على قناة أبي ظبي. ولما انتقد بعض البرلمانيين هذه الفعلة علا صوت المدافعين عن حقوق المرأة المناهضين للتمييز كعادتهم وعمدوا إلى تمييع القضية ثم مر الحدث كما مر ما سبقه من الأحداث ليتحول إلى واقع معاش لا واقعة مستنكرة.. وقضية حقوقية جدلية يعلو فيها صوت الإسلاميين تارة، وصوت اللبراليين أخرى.

 

في تركيا:

 

كانت تركيا دولة الخلافة الإسلامية، فانظر إلى أي شيء آل حال المرأة فيها؟ ولم يكن التحول إلى تلك الحالة المزرية جملة واحدة.. بل بخطوات محسوبة استغل في أولها المتوسطون من الإسلاميين العصرانيين، وكان العلمانيون يستخدمونهم بتدرج محسوب، وخطوات بطيئة، يستدرجون بها الغافلين والغافلات، فالغطاء مسألة خلافية، وخروج المرأة دون حاجة ولو للتنزه لاشيء فيه، والاختلاط جائز، ولا خلوة في خروج المرأة لمكان عام أو منتزه فيه غيرهما، وما الذي يمنع من ذلك مع خطيبها فهو أحرى لأن يؤدم بينهما! والمصافحة لم يثبت في النهي عنها حديث وما ثبت فمحمول على معاني أخرى، ومثل المصافحة اللمس البريء...إلخ، يقول شكيب أرسلان: "فقال قائلهم أول الأمر: مادام الرجل التركي لايقدر أن يمشي علناً مع المرأة التركية، وهي سافرة الوجه فلست أَعُد في تركيا دستوراً ولاحرية.

 

ثم بعد هنيهة قال الآخر: ما دامت الفتاة التركية لا تقدر أن تتزوج بمن شاءت، ولو كان من غير المسلمين" [وحتى لا نتصور أنا في منأى عن هذه الأقاويل لابد أن أذكر هنا بأن هذه المرحلة نرى بعض العصرانيين من الإسلاميين يسوغونها اليوم[4]]، يقول أرسلان: " ثم بعد هنيهة قال الآخر: ما دامت الفتاة التركية لا تقدر أن تتزوج بمن شاءت، ولو كان من غير المسلمين بل ما دامت لا تَعْقِدُ (مقاولةً) مع رجل تعيش وإياه كما تريد، مسلماً أو غير مسلم، فإنه لا تعد تركيا قد بلغت رقياً".

 

ويعقب شكيب أرسلان بقوله: فأنت ترى أن المسألة ليست منحصرةً في السُّفُورِ، ولاهي بمجرد حرية المرأة المسلمة في الذهاب والمجيء كيفما تشاء، بل هناك سلسلة طويلة حلقاتها متصلة بعضها ببعض"[5].

 

فشأنهم على ما قال المنفلوطي: "لقد كنّا وكانتِ العِفَّةُ في سِقَاءٍ من الحِجابِ مَوكُوءٍ، فما زالوا به يَثقُبُون في جوانبه كُلَّ يومٍ ثقباً، والعِفَّة تتسلَّلُ منه قَطْرَةً قطرة حتى تَقَبَّضَ وتَكَرَّش، ثم لم يكفهم ذلك منه حتى جاءوا يريدون أن يحلوا وِكَاءَه حتى لا تبقى فيه قطرةٌ واحدةٌ"[6].

 

وهكذا في كل بلد ما تجرأ المفسدون للمجاهرة بالدعوة للفساد إلا بعد أن مهدت لهم الطريق شخصيات أو جهات يتقبلها المجتمع بدعوى الانفتاح والتقدم والتطور ومراعاة المصالح والحرص على روح النص وتجديد الخطاب الديني ليتناسب مع زمن العولمة.

 

المقاصد الحسنة لا تكفي:

 

والمقصود أن ثمة منفتحين قد تكون مآربهم طيبة ومقاصدهم حسنة،.. ولكن خطر مقرراتهم مما ينبغي أن يتفطن له وينكر ولاسيما في المجتمعات المحافظة، وهذه مسألة نسبية، ففكر بعض هؤلاء المتوسطين قد يكون مقبولاً في الغرب أو في دولة مستغربة حتى النخاع، يقتضي منّا أن نعينه هناك، ونفس هذا الفكر لو جاء إلى دولة محافظة لوجب أن نحاربه، فواجب التفريق بين طرفي القنطرة: الطرف المؤدي إلى بر السلامة، والطرف المنتهي في عرض البحر! فندعوا الغريق إلى ركوب القنطرة ليسك إلى بر الأمان، ونمنع الآمن من ركوب القنطرة -وبلوغ نفس النقطة التي ساعدنا الغريق على بلوغها- خشية أن يقذف به في عرض البحر، بل ينبغي أن نمنعه من ركوبها وذلك لأن على القنطرة آخرون يسوقون الناس حيث يريدون.

 

 

 

 

 

ثانياً: المنافقون:

 

أما هؤلاء فليسو حريصين على إنقاذ أمتهم بصفتها الإسلامية بل يرون أن التخلص من هذه الصفة هو أول خطوات الارتقاء والتقدم، وهم يعرفون ماذا يريدون لكن قد يلبسون لكل حالة لبوسها مداراة لمجتمعاتهم. والمتأمل للميادين التي يعملون فيها خلال قرن وربع من الزمان يرى بوضوح أن هدفهم هو تغيير المجتمعات تغييراً كلياً لتشبه المجتمعات الغربية الحرة المتقدمة كما يتوهمون. أما التقدم الغربي التقني فلا ينكره أحد لكنهم على مر الأزمان لم يأخذوا بأيدي مجتمعاتهم لترقى علمياً وتتطور كما فعلت كثير من البلاد الآسيوية التي تعد منافساً تقنياً حقيقياً لكثير من الدول الغربية الكبرى حالياً، لكن التقدم الغربي الذي يؤمنون به ويسعون للوصول إليه هو في المجالات التي عملوا فيها بجد ودأب وهي: حرية المرأة، حرية الفكر، والحرية السياسية، بالإضافة إلى قضية المساواة بين الجنسين والأديان، وقضية ثالثة يتفاوتون فيها وهي قضية الملكية فهم يتأرجحون فيها ما بين اللبرالية الرأس مالية، والاشتراكية.

 

والعجيب أن هؤلاء المنافقين عندما يهاجمون الداعين للمحافظة على الهوية الإسلامية يقولون: الناس طلعوا القمر وأنتم لا شغل لكم غير الكلام عن الدين والأخلاق، كأنهم يريدون أن يقولوا إن الدين هو سبب الجهل والتخلف التقني، لكنهم يتناسون أنهم لا علاقة لهم بالتطور العلمي وإنما جهودهم منصبة في حرب الدين وتضييع الأخلاق، وفي بعض أقوال متقدميهم ومتأخريهم تصريح واضح بذلك كما سنرى.

 

وهؤلاء وإن اختلفت مسمياتهم، وتباينت مشاربهم، وتفرقت وجهاتهم على مر الأعصار فإن لهم سمات مشتركة تجمعهم مع رواد النفاق في عصر النبوة. فمن القواسم المشتركة[7] بين من كانوا يتسمون بالتنويريين في بدايات القرن الميلادي الماضي، والتقدميين المسبحين بحمد موسكو أيام سيادة الشيوعية والناصرية، واللبراليين أو العلمانيين أو النسويين أو المناضلين أو ناشطي حقوق الإنسان الآتين في قعر الزمان.

 

قواسم مشتركة بين المنافقين قديماً وحديثاً:

 

 من تلك القواسم:

 

-        إخفاؤهم الكفر وإظهارهم الإسلام، يقول تعالى في وصف أسلافهم: ]يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ[[آل عمران: من الآية 154]. يقول أحد روادهم[8]: "في البلاد الحرة قد يجاهر الإنسان بأن لا وطن له، ويكفر بالله ورسله، ويطعن على شرائع قومه وآدابهم وعاداتهم.. يقول ويكتب ما شاء في ذلك، ولا يفكر أحد أن ينقص شيء من احترامه لشخصه متى كان قوله صادراً عن نية حسنة واعتقاد صحيح! كم من الزمن يمر على مصر قبل أن تبلغ هذه الدرجة من الحرية".

 

-        رؤيتهم أن الإسلام تخلف ورجعية وسفه، فالحدود همجية، والحجاب تخلف، وقد وصف الله تعالى أسلافهم في التنزيل بقوله: ]وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ[[البقرة:13].

 

-        يأخذون من نصوص الوحيين ما يتماشى مع أهوائهم ويطَّرحون ما سوى ذلك، وقد عاب الله تعالى على سابقيهم هذه الصفة الذميمة:]أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ[ [البقرة: من الآية 85]. وهؤلاء لا يعرفون من نصوص السنة الواردة في حق النساء إلا قوله صلى الله عليه وسلم: "النساء شقائق الرجال"، ويستعملوه ليدعوا للمساواة التامة بين الجنسين! ونحو ذلك من النصوص المجلة أو المحتملة فيصرفونها إلى أسوئ احتمالاتها التي دلت السنن والآثار على رفعها.

 

-        التعاون والأخوة مع النصارى واليهود كما فعل منافقو المدينة مع يهودها: ]أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ[[الحشر: من الآية 11]. ومنافقو زماننا هذا هم الذراع الطولى للمنظمات الصليبية والصهيونية في مجتمعات المسلمين، ولنا مع هذه النقطة وقفات تجليها بإذن الله.

 

-        تغليف أفعالهم وقضاياهم بغلاف الدين، ففي عصر النبوة تخلف الجد بن قيس عن غزوة تبوك بحجة خوفه على نفسه من الفتنة ببنات الروم:]وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا[[التوبة: من الآية 49]. وانسحب المنافقون في غزوة الأحزاب بحجة الغيرة على الحرمات: ]وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا[[الأحزاب: من الآية 13]. وهؤلاء ينادون بقيادة المرأة للسيارة بحجة تجنب الخلوة مع السائقين لكنهم ينادون بالصوت العالي للاختلاط في مدرجات الدراسة وغرف الموظفين وكأنها لا تفضي لأي نوع من الخلوة! فالدعوة للقيادة حفت بدعوات أخرى إن تحققت شيئاً فشيئاً وقع المنكر الذي لا يقره مسلم.

 

-        حب إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا كما فعل ابن سلول، وهؤلاء يتفننون في إغراق المجتمعات في لجة السوء والفحشاء ويسخرون في سبيل ذلك وسائل الإعلام المختلفة.

 

-        المخادعة والمراوغة والتملق للوصول إلى مراكز النفوذ، فقد كان ابن سلول إلى آخر لحظة من حياته يحاول التقرب من الرسول صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يكفن في بردته، وهؤلاء واقعهم في كل بلدان المسلمين يشهد بذلك.

 

-        الاستهتار بالعلماء، ورميهم بكل نقيصة، ووصفهم بأنهم تجار دين وأصحاب دنيا، وقد كان أسلافهم يقولون عن قراء الصحابة: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء؛ أرغب بطوناً، وأكذب ألسناً، وأجبن عند اللقاء". وهؤلاء لا يكتفون بلمز العلماء بل يفتحون المجال لعوام الناس وسفهائهم الذين يتبعون كل ناعق ليتطاولوا على العلماء، وأوضح مثال على ذلك المواقع الالكترونية لبعض الصحف التي تنشر أخبار العلماء وأجزاء من فتاويهم بعد صياغتها بأسوأ صورة ممكنة ثم تترك المجال للجمهور ليعلق على الشيخ والفتوى، بل ربما دخل الواحد من هؤلاء المنافقين بأكثر من اسم ليشوه صورة الشيخ ويقلل من قدره عند عوام الناس.

 

إلى غير ذلك وأوجه الشبه كثيرة تأملها في الفاضحة.

 

عملهم في كل بلد بحسبه:

 

وعمل هؤلاء على المرأة من محاور مختلفة تصب في نصرهم كل قضية تخدم غرضهم في تحرر المرأة من قيود دين الإسلام.

 

وينبغي أن نعي أن عملهم في كل بلد بحسبه، فإذا كانت البلد محافظة كانت غاية مطالبهم قيادة السيارة، الاختلاط في بعض المرافق، نزولها لبعض ميادين عمل الرجال ونحو تلك المطالب، وهنا ينبغي أن نفرق بين المطالبة إلى هذا المعنى والدعوة إليه والعمل على حصوله، وبين من يفتي ديانة إذا سئل بجواز بعض ذلك كطائفة من المتأثرين بالقسم الأول المتقدم، ففرق بين من يفتي ديانة بجواز بعض هذه الأمور، لكنه لا يدعو إليها ويرى أن الدعوة إليها إن لم تكن ذريعة إلى محرم –نادرة ينبغي تجنبها- فالعمل على ذلك خلاف الأولى على أقل تقدير.

 

الفرق بينهم وبين الفريق الأول:

 

ومن العلامات الفارقة بين المنافقين والأولين من المتوسطين طيبي النوايا، أن لهؤلاء المنافقين في كل بلد لون، فتراه في البلد المحافظ يدعو إلى نحو ما ذكر سابقاً، فإذا خرج إلى بلد آخر مارس وأشاد بما ما فيه مما يتجاوز ما كان يدعو إليه في بلده بمراحل، ثم هو يوالي دهاقنة الغرب المتسلطين على تغيير الأمم والشعوب بإفسادها، ويظهر ولاء هؤلاء لهم بتركهم انتقاد أولئك الذين يحاربون دين قومهم حرباً ثقافية ضروساً ويسعون إلى مسخ هوية المسلمة، بل يذب عنهم، ويدعو إلى احترامهم، وتقدير وجهة نظرهم.. إلى غير ذلك مما تفهم منه رضاه عما هم عليه، بخلاف الطبقة الوسيطة من العقلانيين فكثير من هؤلاء أصحاب ديانة، لا يرضون بما عليه المجتمعات المتفسخة، ويحاربون بأقلامهم دعاة اللبرالية الغربية، ومنهج الواحد منهم شبه ثابت في كل بلد ومطالبه واحدة حيث كان، وإن كانوا يمثلون قطاعاً عريضاً متفاوتاً في درجة وساطتهم بين المتمسكين بالكتاب والمحاربين له، لكن الواحد منهم يطرد في توجهه لا وجهان له.

 

سيناريو إفساد المرأة في العالم الإسلامي:

 

هذا السيناريو الذي طبق في مصر، طبق ولا يزال يطبق في سائر العالم الإسلامي بذات الخطوات، ولعل القوم لم يُضطروا لتغيير تكتيكهم، واستبدال مخططاتهم لأنهم يعرفون أن كثيراً من مسلمي هذه الأزمان من النوع الذي لا يستفيد من عبرة التاريخ، ولأن داء الخلط بين العادات والعبادات ما يزال ينخر في جسد الأمة. فالحجاب حين سقط في مصر وفي غيرها من بلاد العالم الإسلامي إنما سقط لأن الناس تعاملوا معه على أنه عادة لا عبادة، والحديث هنا عن تاريخ وإلاّ فإنا نشهد عودة للحجاب في مصر قوية وانتفاضة للصحوة الصادقة جادة.. والمقصود أن الأخلاق حين تبدلت إنما تبدلت لأنها لم تكن ذات رصيد إيماني حقيقي بل كانت مجرد تقاليد لا روح فيها. والرجال الذين ثاروا في وجه رواد التحرير ما كانت تدفعهم عقيدة وإيمان بقدر ما كانت تحركهم الحمية. وما دام الحال كذلك فما الذي يدعو المفسدين والمنافقين ليغيروا الخطط، ويعيدوا النظر في الخطوات؟ ومن هنا تظهر لك أهمية الدعوة العامة إلى كل ما يحث على صدق التدين ولو رآه بعض الجهلاء وعظاً وقصصاً لا يمس قضايا الأمة الحيوية.

 

ويمكن تلخيص سيناريو الإفساد المسلوك في الخطوات التالية[9]:

 

1.    مرحلة التنظير: وكان روادها: أحمد فارس الشدياق (1804-1888)، رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873)،  وقاسم أمين وكتابه تحرير المرأة(1865-1908)، وهذه مرحلة نظر فيها المنفتحون العصرانيون، ونظر فيها المنافقون، ولا يتصور أن ينظر للمسلمين فيها الغربيون بوجه صريح، فالناس لا يقبلون أن يكون مفتيهم في قضايا الشريعة: آدم سميث، أو جون لوك، أو جان جاك روسو، أو آمنويل كانت، وغيرهم من منظري اللبرالية الغربية أو حتى الشرقية الاشتراكية! أما المنافقون ففي المجتمعات المسلمة (سماعون لهم)، فكيف بمن كان حسن النية صادقاً اللهجة من المنفتحين العصرانيين؟ ولهذا لا عجب أن يكون هؤلاء مرحلة أولى.

 

2.    مرحلة التطبيق غير الرسمية: وكانت على محورين:

 

•          محور إشراك العنصر النسائي في الإفساد وأبرز من شاركن في المخطط هدى شعراوي، وسيزا نبراوي، وصفية زغلول، والأميرة نازلي فاضل.

 

•         ومحور الحملات الإعلامية لترسيخ ما تتمكن الرائدات من طرحه في أذهان الناس.

 

وهذه المرحلة أسهم في الدفع إليها نتائج الاحتلال المسمى بالاستعمار لكثير من الدول الإسلامية ولاسيما التي تعج بأقليات كتابية أو وثنية أو لا دينية، فقد مهد الاحتلال لإلف الناس مظاهر التبرج والعري، وإخراجها في قالب الحضارة والتقدم، وقد قال ابن خلدون: "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده: والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه‏،‏ إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب فإذا غالطت بذلك واتصل لها حصل اعتقادا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء أو لما تراه والله أعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس وإنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب تغالط أيضاً بذلك عن الغلب وهذا راجع للأول‏.‏ ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله‏.‏ وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائماً وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم‏.‏ وانظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية وجند السلطان في الأكثر لأنهم الغالبون لهم حتى إنه إذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتى في رسم التماثيل في الجحران والمصانع والبيوت حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء والأمر لله‏.‏ وتأمل في هذا سر قولهم‏:‏ العامة على دين الملك.." إلى آخر ما قال في مقدمته.. والمقصود ظهر بعض المغلوبين والمغلوبات المنهزمين فكرياً فمكنوا من الظهور في وسائل الإعلام، ليروجوا للناس أن ما هم عليه هو التقدم، فكانت تلك مرحلة.

 

3.   مرحلة التطبيق الرسمية: وفيها سعى القوم لتسويق الرذيلة، وإشاعتها في المجتمع لتكون أمراً مقبولاً غير مستهجن، وأبيح البغاء في ذلك الزمان رسمياً بإشراف دمى غربية وأخرى مستغفلة جعلوا منها رموزاً وأبطالاً قوميين كسعد زغلول.. وقد رأيتم ما آلت إليه حال تشريعات المرأة وقوانينها في بعض البلدان العربية.

 

4.   التأييد الإعلامي ومباركة الانحلال والاحتساب المؤسساتي والقانوني على حفظه وكفالته حقاً، وقد يتطور الأمر إلى عقاب المخالف وحرمانه، كما في القوانين التي تسن في البلدان الغربية والمستغربة بين فينة وأخرى، تارة بمنع الحجاب، وتارة بالإلزام باللباس الملائم لحصة السباحة، وتارة بكفالة ممارسة الحرية الجنسية، والمعاقبة على المساس بها، إلى غير ذلك.

 

من وسائل هذا الفريق في المجتمعات الإسلامية:

 

-        التمسح بالنصوص الشرعية، والاستدلال بالأقوال الشاذة، ولي أعناق النصوص مع ادعاء اعتدال فهمهم، والتأكيد على الخلاف الفقهي، فعند محاربتهم الحجاب مثلاً يتحدثون عن أن المسألة خلافية، لكنهم لا ينقلون حقيقة الخلاف بل يُشعرون السامع بأن من يفتي بجواز كشف الوجه يستنكر تغطيته فالدين يسر والتغطية مخالفة للهدي النبوي لأنه تقديم للعسير على اليسير، ويكثرون الدندنة حول هذه النقطة كأنما ستر الوجه هو المعصية الكبرى التي ينبغي أن تحارب، وفي نفس الوقت يُغضون عن التبرج المحرم الذي لا اختلاف في حرمته، بل يسعون لنشره وفرضه.

 

-        ادعاء نصرة المرأة، واستغلال المشاكل الاجتماعية، ثم النفخ فيها وتصويرها كأنها ظاهرة تغطي وجه المجتمع، ثم اتهام العادات والتقاليد –ويدخلون فيها الدين- بأنها السبب في تلك المظالم، وبالتالي يحرضون المجتمع على التخلي عن التقاليد البالية الظالمة.

 

-        استغلال جهل الجماهير بدينهم واكتفائهم بالتقليد، فيتعمدون الخلط بين العادات الإسلامية والعادات المخالفة للإسلام والمنتشرة في المجتمع، ثم ينادون بالثورة على العادات جملة وتفصيلاً، ونبذها لأنها عتيقة وبالية وسبب للتأخر والتخلف.

 

-        التدرج: في البداية نادوا بحق المرأة في التساوي مع الرجل في حق التعليم، ثم المساواة معه في نوع التعليم، ثم المساواة في الأنشطة المصاحبة للعملية التعليمة كالرياضية، ثم طالبوا بحقها في التساوي مع الرجل في حق العمل، ثم نوع العمل، ثم في مكان العمل، ثم دعوها لانتزاع حقها في المساواة مع الرجل في الوظائف العامة، وبعدها دعوها لدخول البرلمانات وخوض الانتخابات العامة لحماية حقوقها المكتسبة.

 

كذلك الحال بالنسبة للحجاب؛ دعوا النساء لكشف الوجه وزينوا لهن ذلك بحجة جوازه والأخذ بالأيسر، ثم اللباس الواسع المزركش والمزين لأنه أليق بالمسلمة العصرية ولا حرج فيه، ثم بدأ اللباس يضيق والخمار يصغر حتى غدا الحجاب في ذهن كثير من النساء المسلمات مجرد قطعة قماش صغيرة توضع على الرأس، ولا يهم أن تلبس معها عباءة واسعة أو بنطالاً ضيقاً وهذا هو المطلوب؛ أن يفسد الناس ويظنون أنهم محسنون ولربهم مطيعون فلا يفكرون في التغير، ويهاجمون التشدد والتعنت بزعمهم وهذا يشمل هجوما على حق قليل خلطوه بباطل كثير إذ أن ما يصمونه بالتشدد والجمود هو الشريعة المنزهة الحكيمة. وهكذا كل مشروع من مشاريعهم يبدأ بخطوة صغيرة مقبولة، أو يمكن تقبلها بضوابط .. وينتهي بفرض مشروع تغريبي على الواقع.

 

أما سرعة التدرج فتعتمد على السند الذي يعتمدون عليه، ومدى الاستجابة وقوة الممانعة، فإنهم كلما قدروا على تحقيق أهدافهم مباشرة لم يتوانوا في فرضها على الناس فرضاً رضوا بذلك أم اعترضوا، وقد علمتم شأن الحرية التي جلبت على متن قاذفة وظهر دبابة!

 

لما أصدر قاسم أمين كتابه "تحرير المرأة" واجه معارضة عنيفة جعلت قاسماً ينزوي في بيته خوفاً أو يأساً، ويعزم على نفض يده من الموضوع كله، ولكن سعد زغلول[10] شجعه، وقال له: امض في طريقك وسوف أحميك! عندئذ قرر أن يعود، وأن يسفر عن وجهه تماماً! ولئن كان في الكتاب الأول قد تمسح بالإسلام، وقال إنه يريد للمرأة المسلمة ما أعطاها الإسلام من حقوق وفي مقدمتها التعليم، فقد أسقط الإسلام في كتابه الثاني "المرأة الجديدة" ولم يعد يذكره. إنما صار يعلن أن المرأة المصرية ينبغي أن تصنع كما صنعت أختها الفرنسية لكي تتقدم وتتحرر ويتقدم المجتمع كله ويتحرر! وهكذا سقط الحاجز المميز للمرأة المسلمة، وصارت هي والمشركة أختين بلا افتراق! بل وصل الأمر إلى الدعوة إلى السير في الطريق ذاته الذي سارت فيه الغربية من قبل، ولو أدى ذلك إلى المرور بجميع الأدوار التي قطعتها وتقطعها النساء الغربيات. وقد كان من بين تلك الأدوار ما يعلمه قاسم أمين - لا شك- من التبذل وانحلال الأخلاق! قال: ".. ولا نرى مانعاً من السير في تلك الطريق التي سبقتنا إليها الأمم الغربية، لأننا نشاهد أن الغربيين يظهر تقدمهم في المدنية يوماً فيوماً"، ".. وبالجملة فإننا لا نهاب أن نقول بوجوب منح نسائنا حقوقهن في حرية الفكر والعمل بعد تقوية عقولهن بالتربية، حتى لو كان من المحقق أن يمررن في جميع الأدوار التي قطعتها وتقطعها النساء الغربيات"[11].

 

-        إسقاط العلماء بتشويه صورتهم والتجني عليهم وتدمير القدوات الحقيقيين والدعاة ومؤسسات التربية بدءا من الحِلَق وانتهاء بالجامعات الإسلامية، وهدم جدار الهيبة والاحترام من نفوس الناس تجاه العلماء والمصلحين، ليخلوا لهم الجو فيُنَقِّروا ما شاءوا أن يُنقِّروا. وحملاتهم المنظمة الواضحة لاستهداف العلماء الراسخين، والدعاة المعروفين المؤثرين في أكثر الدول محافظة رآها وتابعها الجميع. وهنا يخطيء بعض الطيبين الذين لم يدركوا حقيقة المعركة، فيعلن أن مع هؤلاء الصحفيين بعض الحق، فالشيخ كان ينبغي أن يضبط عبارته، وكان وكان...، وما درى هذا المسكين أن قضية أولئك أكبر فسياق الهجوم وما يريدون أبعد بكثير من تلك المسألة التي كان ينبغي أن تضبط! ولهذا تجد أحد هؤلاء إذا لم يجد لأهل العلم كلاماً نال من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونبش نصوص التراث وأقوال الأئمة لينتقدها بحجة تصفية التراث.. فمن الغفلة مع تلك الهجمة العلمانية الشرسة على أحد العلماء أو الدعاة أن نعلن خطأ العالم أو الداعية في جزئية من كلامه، أما نقل المعركة معه فمن الحمق البيّن، ولا يعني هذا أن يترك التنبيه على ما احتاج إلى ضبط أو تقييد لكنه يخص به من أخذ عليه من أهل الفضل، ويناقش فيه على انفراد بهدوء وربما بدا لمن كان يرى أن العبارة كانت بحاجة إلى تقييد أو لم تكن مناسبة ربما بدا له عكس ذلك أو أدرك أن ما أخذه محل اجتهاد معتبر.

 

-        ومن طرائقهم غير الشرعية المتناقضة أنهم عندما يتصدون لتسويغ أحد المنكرات كتشبه الرجال بالنساء في اللباس، أو التبرج أو غير ذلك يتسترون بستار الدفاع عن الحريات الشخصية وحينما يكون بيدهم الحل والعقد يدوسون أبسط الحريات، وأوضح شاهد على ذلك منع المحجبات من دخول الجامعات في تونس، والسعي لمثل ذلك في مصر ولكن باسم الدين، وأخيراً منع الحجاب في صور الجوازات في الجزائر، والدوس على حريات المحجبات والطاهرات العفيفات قل أن يخلو منه اليوم بلد إسلامي، فأبسط الأمور أن المرأة المحجبة إذا أرادت السفر أو اضطرت إليه فلابد أن تكشف وجهها وتصور، بل الآن بدأ نوع من التدرج بالإلزام بالبصمة والصورة أمام مدخل ضابط الجوازات في بعض مطارات الدول المحافظة! وهي خطوة إن لم نفطن لها فلها ما بعدها.

 

-        عند إقدامهم على أي مشروع يخالف أعراف المجتمع يدَّعون الحرص على مراعاة الحدود والضوابط، فتراهم عند الحديث مثلاً عن ضرورة الاهتمام بصناعة السينما لمعالجة مشاكل المجتمع كما يدعون يذيلون أحاديثهم بقولهم: "بما لا يخالف الدين"، "مع ما لا يتعارض مع شريعتنا السمحة"، "في حدود الضوابط الشرعية" مع أن المشروع برمته يتعارض مع الضوابط الشرعية المزعومة، والغرض منه محاربة الدين والشريعة السمحة، وقد رأينا ضوابطهم تلك في كثير من وسائلهم الإعلامية وقنواتهم الفضائية!

 

-        المبالغة في تضخيم مشاكل المجتمع وعرضه بأبشع صورة، مع الإفراط في ذكر ما يسمونه محاسن الحضارة الغربية ويشعرون الناس بأنهم بين خيارين لا ثالث لهما؛ إما الإبقاء على الأوضاع السيئة المتخلفة الجامدة الظالمة، وإما محو حكم الإسلام ونبذه والانسلاخ منه، والاتجاه إلى أوروبا وأمريكا من أجل التقدم والتحضر والرقي، كأنما سبب التخلف هو الإسلام. يقول عميدهم طه حسين: "إن سبيل النهضة واضحة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء، وهي أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب"[12]. ثم جاء مَن بعده فقال بلسان الحال:

 

وما أن إلاّ من غزية إن غوت             غويت وإن ترشد غزية أرشد

 

وليتهم كانوا سادة غزية مثل دُريدِ بنِ الصِّمَّةِ أو كانوا منها لكنهم أتباع لا يُقبل منهم غير الاتِّباع مهما بلغوا.

 

-        التطبيع مع المنكرات، ودفع الناس لاستمراء التَّفحش بتعويدهم على الصور الخليعة في وسائل الإعلام المختلفة بصورة توحي بأنها عفوية بحجة تمارين الرشاقة، وتخفيف الوزن، والأفلام الوثائقية المغلفة بالطابع العلمي، وتفاصيل قصص الاغتصاب والفضائح الجنسية بصورة تلقن المراهقين فنونها وتشعرهم بكثرتها وانتشارها. بل حتى البرامج الجادة كالبرامج الإخبارية مثلاً تجبر المذيعات في جل القنوات على التجمل والتبسم والتكسر، وكل نشرة مطولة لابد أن يخرج فيها مذيع ومذيعة يتبادلا الابتسامات وعبارات المجاملة. أما المذيعة المحجبة مهما كانت خبرتها وقدراتها فكثير من القنوات تحولها إلى أقسام أخرى بعيدة عن الكاميرات! كأنما المطلوب منها عرض جسدها لا استعراض الأخبار، وهذه هي الحقيقة، 2في1 كما يقولون.

 

-        الحطُّ من قدر المرأة النبيلة الشريفة المتفرغة لبيتها ووصمها بأنها طاقةٌ معطلة، ونصفٌ مشلول وغير ذلك من الصفات التي تنفر من القرار في البيوت والقيام بأعباء الأمومة والزوجية التي ستحتاج المرأة الفاعلة كما يقولون لعدد من العاملات ليؤدين بعضها عنها إن هي خرجت لتعمل، وفي المقابل يجودون بجميل الألقاب على المشاركات في سوق العمل؛ فالمضيفة التي لا تجاري ربة المنزل ولا تدانتها في أهمية دورها هي "الملاك الطائر"، والممرضة هي "ملاك الرحمة"، ولا عزاء لربات الخدور وأحراز البيوت اللآلئ المكنونات والدرر المصونات، والعجيب أن الرجال الذين يؤدون ذات المهام لا نصيب لهم من هذه الصفات الملائكية!

 

-        احتواء الأقلام النسائية المتحررة ودعمها، بل الكتابة باسم بعض داعيات التحرر كما كان يكتب الهلباوي بك باسم هدى شعراوي، وكما عرف عن بعض الكتاب في بعض البلدان المحافظة.

 

-        الوصول لمراكز النفوذ والإعلام، والهيمنة على الخطاب الإعلامي، والتضييق على المخالفين. فقد تجد السبيل ممهداً للكاتب اللبرالي في البلد المحافظ لينشر روايات ليست لها أية قيمة أدبية، وتخالف عادات المجتمع، وتخدش الحياء العام، وربما قدم لها كبار العاملين في مجال الإعلام، بينما يجد الباحث المتخصص عنتاً وعناء ليتمكن من طبع مادة نافعة تخدم قضية اجتماعية مهمة لكنها لا تعجب المتحررين المتسلطين على منافذ ومرافق ثقافية مهمة.

 

-        تغييب عقيدة الولاء والبراء، والدعوة للتسامح مع الآخر ما دام هذا الآخر غير مسلم، أما إن كان مسلماً يخالفهم رؤيتهم فيُتعامل معه بنظرية محاربة التشدد، وتجفيف منابع الإرهاب تارة والأصولية أخرى والراديكالية ثالثة وهلم جرا.

 

-        الربط بين التمدن والتحضر والتزين وبين الخلاعة في اللباس حتى صارت المدنية والأناقة في أذهان كثير من النساء تتناسب عكسياً مع طول الثوب وعرضه، وطردياً مع طول كعب الحذاء، وربما الأظفار! وهذه كانت من أولى خطوات التنويريين لتحرير المرأة، فقد ظهرت أقسام المودة (ويملئون بها أفواههم فيقولن: الموضة) والجمال في المجلات سنة 1925م أي بعد سقوط الخلافة العثمانية بعام واحد في زمان كانت المرأة فيه لا تخرج من بيتها بغير الحجاب السابغ، ولا تظهر أمام النساء إلا متسترة محتشمة، ثم أغرقت الأسواق بذلك النوع من الملابس، ثم كثرت المجلات التي تتحدث بالتفصيل عن حياة المغنيات والراقصات وعارضات الأزياء ومحاولة تقديمهن كقدوات للفتيات خاصة والنساء عموماً. كما أن وجود الغربيات في البلدان المحتلة وتجولهن في الشوارع والأسواق والشواطئ بتلك الألبسة الخليعة التي يروج لها سهل كسر الحواجز بين النساء والتعري، فالمستَعمَر المهزوم نفسياً مغرم بتقليد المستعمِر المتمدن المتحضر. ومع كثرة الطَرق، وتعدد وسائله لانت النساء وانقلب حالهن حتى أن بعض المسلمات هوية وتاريخاً في بعض البلاد الإسلامية المستغربة لا يجدن حرجاً في الخروج إلى الشاطئ بملابس السباحة، والعجيب أنهم جعلوا للسباحة النسائية خاصة ملابساً تكشف أكثر مما تستر.

 

-        المظاهرات والمسيرات: ففي عام 1919م قادت هدى شعراوي وصفية زغلول مظاهرة في ميدان التحرير بمصر ضد المحتل الإنجليزي ثم تحولت المظاهرة للمناداة بالتحرير والتخلص من الحجاب. وفي الجزائر سنة 1958م خاطبت الآنسة بنت باشا الأغا مسيرة حضرها جنرالان فرنسيان ثم نزعت حائكها الأبيض وحجابها كعمل رمزي يدلل على الأخوة الكاملة مع النساء من جميع الديانات في الوطن المشترك فرنسا كما قالت، ودعت الفتيات لتقليدها ففعلت ذلك بعض المتآمرات وقلدتهن بعض الجاهلات وسط هتاف الحاضرين، ثم تكرر الأمر في مدينة الشيخ ابن باديس.. .. ثم غَرَّت القصة كل جاهلة غِرة! وفي سوريا قادت ثريا الحافظ مظاهرة نسائية سنة 1928م ونزعت الحجاب ومعها زهاء مائة امرأة. وفي السعودية سنة 1990م خرجت مظاهرة نسائية في مدينة الرياض لتنادي بقيادة المرأة للسيارة، ولعلهن لم يجرؤن على نزع الحجاب لأنهن سيسقطن في مجتمع يعظم عبادة الحجاب[13]. وفي السودان خرجت أواخر العام الماضي حفنة من المتحررات بقيادة الصحفية لبنى أحمد الحسين لينادين بإلغاء المادة 152 من قانون النظام العام من القانون الجنائي لسنة 1991م والذي يعاقب على الخروج بلباس يخالف الذوق العام. ومظاهرات النساء للمطالبة بما يسمينه حقوقاً لهن كثيرة في بلادنا العربية.

 

-        وصف البطَّالين والبطَّالات بالبطولة! فالذي يقوم بعمل من أعمال التخريب والتحطيم ضد الإسلام ينبغي أن يكون بطلاً لتتدارى في ظل البطولة أعمال التخريب والتحطيم! كمال أتاتورك .. بورقيبة.. جمال عبد الناصر .. أحمد بن بيلا .. وعشرات غيرهم من أبطال الوهم الذين حاربوا الإسلام بوسيلة من الوسائل .. جميعهم وجد من صورهم أبطالاً وقت قيامهم بمحاربة الإسلام عن عمد أو جهل، وإن انكشفت أحوال كثير منهم لكثير من المسلمين بعد أمد، وانكشفت عمالة بعضهم لأعداء الإسلام من الصليبيين واليهود. وعلى هذا الضوء يُفهم نزع الحجاب في مظاهرة ادُّعي أنها خرجت لتهتف ضد المحتل. وكذلك محاولة بعض المنظمات الدولية تلميع بعض الشخصيات وإضفاء صفات النضال والبطولة عليها لتمرر من خلالها مخططاتهم مثل من يصفونها بالناشطة في حقوق الإنسان السعودية وجيهة الحويدر، والضجة والاهتمام العالمي بالمناضلة السودانية لبنى أحمد الحسين أو من عرفت بصحفية "البنطلون"، وغيرهن كثيرات.

 

-        تقنين الفساد: إن كانت لهم سلطة سارعوا لسن القوانين التي تمكن للفساد وتحمي المفسدين، بل يأطرون الناس بقوة القانون أطراً على مخالفة أمر الله تعالى، لأن الحرية والديمقراطية التي يناضلون لأجلها تبيح كل شيء، لكنها لا تعني أبداً السكوت على التشدد، وإغضاء الطرف عن المتعنتين لأنهم مهدد حقيقي للمجتمع! وانظروا كيف سن الحبيب بورقيبة القوانين التي تجرم تعدد الزوجات، وكيف سن خلفه القوانين التي تحارب الحجاب وتمنع المحجبات من دخول الجامعات لأنه لباس طائفي كما زعموا، وكيف سن سعد زغلول القوانين التي ترخص لقيام بيوت الدعارة وتعاطي الخمور، والأمثلة كثيرة.

 

أما إن لم يكن لهم طَول وصولجان فالتحايل باسم الدين وسيلة قد تسمح بتمرير بعض القوانين، فيزعمون مثلاً أن الاختلاط في مقاعد الدراسة غير محرم لأن الرجال والنساء كانوا يختلطون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطرقات والمطاف، ويلمعون كل منتسب للعلم قليل البضاعة يبني فتاواه على مثل هذا القياس فيظفرون بجامعة مختلطة تحميها قوانين الدولة، والويل كل الويل لمن يتطاول على انتقادها عالماً كان أو مثقفاً وإلا كان عدواً للعلم موصوماً بالتشدد.

 

أو يلعبون دور الضحية ثم يملئون الدنيا صراخاً وعويلاً لرفع المظلمة، ويطالبون بسن القوانين التي تمنع تكرارها. أما أوضح الأمثلة فقصة الصحفية السودانية لبنى التي ألقي القبض عليها ومعها أخريات في حفل ليلي، وحكم على كل واحدة منهن بأربعين جلدة بسبب لباسهن غير اللائق، فاستغلت عملها في الأمم المتحدة والصحافة لتستأنف الحكم وتتقمص دور المضطهد المناضل وتجمع حولها بقايا الشيوعيات والبعثيات والسائرات في ركابهن وحفنة من الرجال من ذات الشاكلة ليقودوا المظاهرات ويستنصروا بالمجتمع الدولي لرفع الظلم عن نساء السودان وإلغاء القانون، وبالطبع غطت المحطات الإذاعية والتلفزيونية العالمية الحدث وتعاطف معها الكثيرون، لكن الحكومة فوتت عليهم الفرصة وأعادت محاكمتها وحوكمت بالغرامة ودفعوها عنها وطويت صفحة القضية.

 

وكذلك استغلالهم قصص تزويج الصغيرات بكبار السن كما حدث مراراً في السعودية واليمن، فيتلقفون إحدى القصص ويضيفون لها من المحسنات والمؤثرات ما يدفع أقسى الناس قلباً للتعاطف مع الطفلة القاصرة المسكينة الواقعة بين مطرقة زوجها العجوز الذي ستكون حياته معها جحيماً لا محالة وسندان أهلها الذين باعوها وأضاعوا مستقبلها وقتلوا براءتها وحطموا آمالها ثم يطالبون بإيقاف هذه الزيجة وربما حرضوا الفتاة أو أمها لتتقدم بشكوى للمحكمة، وتتولى منظمات حقوق الإنسان القضية وتنوح على حقوق الطفولة الضائعة ثم تطالب ومعها بقية الممثلين في المسرحية الكبيرة بسن قوانين تحدد سن الزواج منعاً لتكرر مثل هذه المآسي! وبالطبع يخنس أصحاب القلوب الرقيقة هؤلاء عن المطالبة بحماية النساء من التحرش الجنسي الذي ارتفعت متوسط الحالات المبلغ عنها في إحدى الدول العربية إلى ثماني حالات في اليوم حسب صحفها ولا ينادون بسن قوانين تمنع الاختلاط في العمل والدراسة منعاً لحدوث مثل هذه المآسي. إنه التطفيف، وحب إشاعة الفساد في الأرض.

 

أما إن أعياهم حبك مثل هذه القطع المسرحية التراجيدية، أو إظهار تلك الحوادث المحدودة التي يمكن أن تعالج في ظل القضاء الشرعي فمصلحة الوطن هي الذريعة للمطالبة بسن القوانين والتشريعات. ففي الكويت مثلاً نادوا بضرورة السماح بإنشاء دور الرياضة النسائية؛ طبعاً بما لا يتعارض مع شريعتنا السمحة ولا يخالف تقاليدنا الأصيلة، وذلك لأهمية الرياضة صحياً ومكافحتها لكثير من الأمراض الضارة، فكان لهم ما أرادوا، وصدرت فتوى تسمح بذلك مع بعض القيود منها أن تكون الرياضة مناسبة للنساء. فالتزمت الدور بشيء من الشروط بضع سنين ثم تكون فريق نسائي لكرة القدم! ثم تقرر أن يشارك الأزرق _الفريق النسائي_ في بعض المنافسات الدولية دون إذن السلطات كما قيل، ورغم هزيمته المنكرة أمام المنتخب الفلسطيني –ولا حول ولا قوة إلاّ بالله- التي لم تحدث في تاريخ كرة القدم استمر في المشاركات الدولية وبُثت إحدى المباريات التي شارك فيها على قناة أبي ظبي، وعندها طرحت لجنة مراقبة الظواهر السلبية الموضوع في البرلمان باعتبار أنه أمر غير مرضي وينافي تعاليم ديننا وعاداتنا. فكانت الحجة أنهم ما شاركوا إلا لأن "الفيفا" –الاتحاد الدولي لكرة القدم- يشترط مشاركة الفريق النسائي لتشارك الكويت في الأولمبياد، وبالطبع المصلحة الوطنية العليا ضرورة ترفع المحظور ليرتفع اسم الوطن عالياً في سماء الرياضة! ولما اعتبر النائب الحربش أن الحجة واهية ولا يقبل التذرع بها، جاء دور المناضلات البرلمانيات ليتحدثن باسم الدستور، وليرفضن أي وصاية أو تمييز ضد المرأة، سواء في مشاركتها الرياضية، أو أي مجال آخر، والحجة كما قالت النائبة أسيل العوضي: "إننا دولة تحتكم إلى الدستور، وقوانين الدولة لم تمنع المرأة من المشاركة في الألعاب الأولمبية والرياضة بصورة عامة"! هذا والأزرق مسح بسمعة البلد الأرض وهزم 17/0 فكيف لو فاز ورفع اسم الكويت عالياً كما يقولون؟ فكيف إذا لم تكن القضية مجرد إذن في رياضة؟ ولكن المطلوب هو تمثيل نساء الأمة الكويتية!

 

طبعاً ليس ثمة نص في القانون أو الدستور يسمح لفريق كرة قدم نسائي بتمثيل الكويت في الملاعب الدولية، بل حتى الفريق حسب القانون يستحق المساءلة لأنه مثل الدولة دون إذن رسمي. ثم ذهبت النائبة إلى أبعد من ذلك وهددت بأن "النواب سيتخذون الإجراءات التي كفلها الدستور بحق وزير الشؤون إذا اتخذ أي قرار ينتهك الدستور! وإذا انصاع لإرضاء بعض الأطراف النيابية"! طبعاً الوزير إذا انصاع لهن يكون تصرفه دستوري رغم أنف الدستور، ولو انصاع للأطراف الأخرى فيستحق المساءلة! وقالت: "أقسمنا على احترام الدستور وحماية مصالح المواطنين! وحرياتهم ضمن القانون"! عجباً لا ينقضي من مثل هذه الجرأة.

 

وكررت النائبة المنافحة عن القانون أو المهرجة أو الصائدة في الماء العكر فكلها أوصاف صحيحة: "ستكون لنا وقفة جادة إذا استجاب الوزير العفاسي لهذه المطالبات، فلن نرضى ولن نسكت عن هضم حقوق المرأة بهذا الشكل"! هل لاحظتم: "هضم حقوق المرأة بهذا الشكل" وأي امرأة كويتية تلك التي خولت الأزق تمثيل نساء الكويت الطاهرات! وفي ذات القضية علقت النائبة رولا دشتي مذكرة بنصر برلماني دستوري سابق: "زملاؤنا بلجنة الظواهر السلبية لم يتعظوا ولم يأخذوا العبرة من حكم المحكمة الدستورية بخصوص حجاب النائبات الذي أكد صحة عضوية النائبة غير المحجبة". ألا ليت لبعض المتوسطين من العقلانيين مثل هذه الجرأة! أو بعض تلك المواقف الصلبة.

 

-        العمل المؤسسي: يبحثون عن واجهة تُنفذ من خلالها برامجهم سواء كانت نقابات عمالية، أو اتحادات طلابية، أو منظمات طوعية، أو جمعيات خيرية، أو مؤسسات ثقافية المهم واجهة مناسبة يتغلغلون من خلالها في أوساط الفئات المستهدفة، ويحشدون لها الأعضاء، وينفذون عن طريقهم مختلف البرامج التي تخدم الأهداف المطلوبة. ومن أهم وأخطر المؤسسات العاملة في مجال تحرير المرأة في العالم العربي: في مصر، جمعية تضامن المرأة العربية بزعامة نوال السعداوي، وهي الجمعية الوحيدة التي حظيت بمركز استشاري لحساب المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، وكان ذلك في عام 1985م، بوصفها منظمة عربية غير حكومية، ومن الشعارات التي ترفعها: "رفع الحجاب عن العقل"، و"التضامن بين النساء قوة" نستطيع أن نتصور الدور الذي تتبناه في المجتمع. وكذلك في السودان جمعية بابكر بدري العلمية للدراسات النسوية والتي أسست سنة 1979م وتركز على المرأة الريفية، ومركز الجندر للبحوث والتدريب الذي أسس سنة1997م وكلا المؤسستان يدعمهما صندوق الأمم المتحدة للسكان.

 

-        مراكز البحوث وأقسام الدراسات العليا: وهذه وإن كانت قليلة في الوطن العربي إلا أن لها دوراً خطيراً في تحليل الأوضاع القائمة، ورسم الخطط المستقبلية، ومنها قسم دراسات الجندر والتنمية بقسم الدراسات العليا بكلية الأحفاد للبنات في السودان، والجامعة لها صلات بالهيئات العالمية مثل صندوق الأمم المتحدة للسكان، ومنظمة الرفاهية العامة وهي منظمة أمريكية، والسفارات الأجنبية، وبعض الشخصيات العالمية المعروفة بمناصرتها للجندر.

 

-        المسابقات الدولية: مثل المنافسات الرياضية، ومسابقة ملكة الثقافة، وملكات الجمال، وآخر التقليعات ملكة جمال الحجاب التي أقيمت في إمارة رأس الخيمة وتستهدف الطالبات من الصف التاسع وحتى الثاني عشر، وتستمر لمدة شهرين متتاليين يُعقد فيهما لقاء تعريفي للطالبات لتوضيح برنامج المسابقة وأسسها ومعاييرها، بالإضافة إلى عقد دورات مختلفة ومقابلة شخصية، إلى جانب تنظيم يوم عمل مفتوح يشتمل على أنشطة ثقافية ومسابقات ترفيهية وبرامج متنوعة هادفة للطالبات حيث تُرصد درجات الطالبات من خلال البرنامج لتحديد ملكة الحجاب ووصيفتيها، بينما تكرم جميع الطالبات المشاركات في المسابقة. هذه هي النسخة المحافظة من مسابقات ملكات الجمال وبعد التطوير والاستفادة من التجارب ستأخذ شكلاً آخر.

 

-        الأعياد والاحتفالات: مثل يوم المرأة العالمي الذي يوافق الثامن من مارس وتحتفل به منظمة الأمم المتحدة، وعيد الحب "الفالنتاين" في الرابع عشر من فبراير والذي يكاد يكون عيداً رسمياً يحتفي به طلاب وطالبات الجامعات في كثير من الدول الإسلامية، بالإضافة إلى الأعياد العامة، والأيام المشتركة والوطنية التي تخرج فيها المرأة عن حدود الشرع والأدب واللياقة بحجة المناسبة المحدثة.

 

فهذه جملة من وسائلهم وأساليبهم، ولا يزالون يحدثون كل حين أسلوباً، أو يستغلون وسيلة، والواجب النظر في مآلات الدعوات، وما تحققه من مصالح، وتخدمه من أهداف، وما سوف تترتب عليها من نتائج وفقاً لحال الناس ومعطيات الواقع.

 

 

 

 

 

ثالثاً: القوى الخارجية.

 

وتشمل المنظمات الدولية، والدول الغربية الساعية لطمس الهوية الإسلامية وفرض الثقافة الغربية على كل المجتمعات المسلمة، فمن المعلوم أن دول الكفر اليوم منها من يحاول فرض ثقافته وفكره على الآخرين، ومنهم ككثير من الدول الآسيوية والأفريقية غاية همهم المصالح المشتركة، فحديثنا إنما هو عن الدول الساعية لفرض ثقافتها ورُآها في قضية المرأة، وهذه تعمل في الغالب من خلال منظمات، وتعقد الاتفاقيات التي تمهد لها مؤتمراتها، والمؤتمرات الغربية من أبرز آلياتها لفرض رؤيتها ولهذا لابد من الوقوف معها لتعرف مراد القوم.

 

من أمثلة المنظمات الدولية العاملة في مجال الأسرة والمرأة:

 

كثيرة منها: وحدة النهوض بالمرأة التابعة للأمم المتحدة، المركز العربي للمصادر والمعلومات حول العنف ضد المرأة " أمان"، برنامج النوع الاجتماعي والتنمية، المبادرات النسوية للنوع الاجتماعي والعدالة، المعهد المتوسطي لدراسات النوع الاجتماعي، النساء اللاجئات في التنمية، وجمعية حقوق المرأة في التنمية ( أوييد). 

 

المؤتمرات الدولية وما يريده مؤتمريها من المرأة:

 

أفاض فيها وأجاد الشيخ فؤاد العبد الكريم في رسالته قضية المرأة في المؤتمرات الدولية فلينظرها من أراد التفصيل، ولكني أقتصر هنا على بعض مراداتهم التي أعلونها في بعض تلك المؤتمرات ولاسيما التي أخذت الطابع الإلزامي، فمن مراداتهم:

 

= أن تكون المرأة حرة من قيود الشريعة والأديان، فلا تلزم بأي قيد جاءت شريعة سماوية بالإلزام به، وقد عقدت في عام 1979م: اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)[14]: والتي تتضمن ثلاثين مادة وردت في ستة أجزاء للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة على أن يبدأ نفاذها في 3 سبتمبر 1981م. وجاءت هذه الاتفاقية لأول مرة بصيغة ملزمة قانونياً للدول التي توافق عليها؛ إما بتصديقها أو بالانضمام إليها. وحددت الأمم المتحدة العام2000م موعداً نهائياً لتوقيع جميع الدول عليها.وتعد هذه الاتفاقية من أخطر الاتفاقيات المتعلقة بالمرأة لعدة أسباب منها:

 

-         أنها تعد الدين شكلاً من أشكال التحيز ضد المرأة.

 

-    أن فيها رسماً لنمط الحياة في مجالاتها المختلفة سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً وغير ذلك بناء على الثقافة الغربية القائمة على المساواة المطلقة بين الجنسين دون اعتبار لخصوصية أي منهما، والحرية التامة للأفراد دون مراعاة لأي قيمة خلقية أو إنسانية.

 

= وحتى لا يفهم ما سبق على نحو منضبط –وهذا غير ممكن لكننا لا نأمنه مع أصحاب الضوابط والقيود- فقد جاءت الاتفاقيات إثرها على كافلة ما لا يمكن لدين سماوي أن يكفله، فقد كفلوا للمرأة الحرية الجنسية، وقد عقد في عام 1995م: المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة في بكين- الصين، والذي تميز عن غيره من المؤتمرات بجرأته على الأخلاق، ودعوته الصريحة للحرية الجنسية (بما فيها ما يسمى زواج المثليين)، والتنفير من الزواج المبكر، والعمل على نشر وسائل منع الحمل، والحد من خصوبة الرجال، وتحديد النسل، والسماح بالإجهاض المأمون، والتركيز على التعليم المختلط بين الجنسين وتطويره، وكذلك التركيز على تقديم الثقافة الجنسية للجنسين في سن مبكرة حتى اضطرت إحدى الدول الغربية وهي السويد للتحفظ على بعض البنود.

 

= وحتى لا تحسب المرأة المسلمة أنها في منأى عن ذلك فقد كونت لها مؤسسات من أجل كفالة ما قررته تلك المؤتمرات، ومن ذلك إنشاء مكتب كبير منسقي قضايا المرأة الدولية بوزارة الخارجية الأمريكية والذي تقول رئيسته إبريل بالمرلي في كلمة لها بعنوان (النساء في مجتمع عالمي): "حدد مكتبي ثلاثة مجالات عامة للسياسة سوف نستهدفها في جهودنا القادمة، وهذه المجالات هي:

 

-             المشاركة السياسية للمرأة.

 

-             المشاركة الاقتصادية للمرأة.

 

-             الاتصال والتواصل مع النساء في الدول التي يشكل المسلمون غالبية سكانها".

 

وتلخص أهداف المكتب فيما يلي:

 

-             دفع عجلة مفهومات حقوق المرأة الإنسانية، وتمكين النساء ومنحهن سلطة؛ كعنصرين مهمين في السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

 

-      دمج هذا الهدف في السياسات، وتحويله إلى جزء من مؤسساتها عن طريق الدبلوماسية العامة، وبرامج التبادل المحلية والدولية، وتدريب العاملين في السلك الخارجي( الدبلوماسي).

 

-             تشجيع الحرية والأسواق الحرة عبر برامج تروج لقضايا المرأة.

 

-      إنشاء تحالفات مع الحكومات الأخرى والمؤسسات الدولية، والمنظمات غير الحكومية المحلية والخارجية، والقطاع الخاص؛ لصيانة هذه المصالح.

 

وتعدد بعض إنجازاتهم فتقول:" وقد كان بعض أهم ما قمنا به حتى الآن دورنا القيادي في قضايا المرأة الأفغانية البالغة الأهمية، والتي تحظى باهتمام واسع عن طريق العمل مع الحكومة الأفغانية، وإنشاء المجلس النسائي الأمريكي _ الأفغاني. وعلاوة على ذلك؛ زودنا المشرعين الأمريكيين بمعلومات حيوية _ تقريرنا الشامل للكونغرس _ عن دعم الولايات المتحدة للنساء والأطفال واللاجئين الأفغان"[15].

 

بجانب هذه المؤتمرات التي تخصصت في قضايا المرأة فقد عقدت الأمم المتحدة مؤتمرات خاصة بالسكان غير أنها ناقشت بعض القضايا المتعلقة بالمرأة وبالعقد الأممي الخاص بها منها:

 

•    "19-30 غسطس 1974م: المؤتمر العالمي الأول للسكان ببخارست – رومانيا ، وقد اعتمدت في هذا المؤتمر خطة عمل عالمية، جاء فيها:

 

-                     الدعوة إلى تحسين دور المرأة ودمجها الكامل في المجتمع.

 

-                     الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل.

 

-                     الدعوة إلى تحديد النسل، وتخفيض المرأة لمستوى خصوبتها.

 

•    6-14 أغسطس 1984م: المؤتمر الدولي المعني بالسكان في مكسيكو سيتي – المكسيك، وقد جاء في هذا المؤتمر:

 

-                     الدعوة إلى إعطاء المرأة حقوقها المساوية لحقوق الرجل في جميع مجالات الحياة.

 

-                     الدعوة إلى رفع سن الزواج، وتشجيع التأخر في الإنجاب.

 

-                     إشراك الأب في الأعباء المنزلية، وإشراك المرأة في المسؤولية على الأسرة!

 

-                     الإقرار بالأشكال المختلفة والمتعددة للأسرة[16].

 

-                     الدعوة إلى التثقيف الجنسي للمراهقين والمراهقات.

 

-                     الإقرار بالعلاقات الجنسية خارج نطاق الأسرة.

 

-                     تقديم الدعم المالي للزناة والزواني، وتوفير السكن المناسب لهم!

 

ويبدو أن المؤتمرين لم يسمعوا بالملايين من اللاجئين والنازحين والمشردين والمرضى المعوزين ومن هم تحت خط الفقر لذا لم يجدوا حرجاً في إحداث مصرف لدولارات المنظمات الدولية هو جيوب الساقطين والساقطات، الذين لا يستحقون غير الضرب والرجم دون رأفة، بعد أن كفلوا لهم من التشريعات ما يجعلهم في عداد الآدميين الذين تصح لهم الصدقات!

 

ثم عقد في:

 

•         5-13 سبتمبر 1994م: المؤتمر الدولي للسكان والتنمية في القاهرة - بمصر. وقد نوقشت في هذا المؤتمر قضايا شبيهة تماماً بالقضايا التي سبق ذكرها في المؤتمر الرابع للمرأة ببكين الذي عقد بعده بعام.

 

•         وفي عام 1995م عقد مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية في كوبنهاجن – الدنمرك، والذي اعترف فيه بأشكال الأسرة المختلفة، والدعوة إلى الإنصاف والمساواة بين المرأة والرجل؛ ومن ذلك إسقاط قوامة الرجل على المرأة داخل مؤسسة الأسرة، ودعوة الرجل لتحمل الأعباء المنزلية، ودعوة المرأة للخروج للمساهمة في سوق العمل، وكذلك إزالة القيود المفروضة على المرأة في وراثة الممتلكات.

 

•         1996م: مؤتمر الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل الثاني) في استنبول – تركيا، والذي دعا إلى كفالة مشاركة النساء – مشاركة تامة وعلى قدم المساواة مع الرجال - في الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. والالتزام بالمساواة بين الجنسين في تنمية المستوطنات البشرية، وبإدماج الاعتبارات المتعلقة بنوع الجنس (Gender)[17] في التشريعات، والسياسات، والبرامج والمشاريع المتصلة بالمستوطنات البشرية، عن طريق التحليل الذي يراعي نوع الجنس.كما اعترف بالأشكال المختلفة للأسرة. ودعا المؤتمر إلى إجراء إصلاحات تشريعية وإدارية؛ من أجل الحصول الكامل – وعلى قدم المساواة – على الموارد الاقتصادية، بما في ذلك الميراث، والائتمان.وأكد على تنفيذ توصيات المؤتمر الرابع للمرأة في بكين 1995م.

 

•         2000م: مؤتمر الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلام في القرن الحادي والعشرين، في نيويورك – الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تضمنت وثيقته التحضيرية ما يلي:

 

-                     الدعوة إلى الحرية الجنسية والإباحية للمراهقين والمراهقات.

 

-                     تشجيع جميع أنواع العلاقات الجنسية[18].

 

-                     تهميش دور الزواج في بناء الأسرة.

 

-                     إباحة الإجهاض.

 

-                     تشجيع المرأة على رفض الأعمال المنزلية، بحجة أنها أعمال بغير أجر!

 

-                     المطالبة بإنشاء محاكم أسرية لمحاكمة الأزواج الذين يغتصبون زوجاتهم!

 

-                     إباحة الشذوذ الجنسي والدعوة إلى مراجعة ونقض القوانين التي تجرمه.

 

-         محاولة فرض مفهوم المساواة المطلقة في العمل، وحضانة الأطفال، والأعمال المنزلية، والحقوق، وغير ذلك.

 

-                     المطالبة بإلغاء التحفظات التي أبدتها بعض الدول الإسلامية على وثيقة مؤتمر بكين 1995م.

 

-         وأهم هدف للمؤتمر هو: الوصول إلى صيغة نهائية ملزمة للدول بشأن القضايا المطروحة على أجندته، والتي صدرت بحقها توصيات ومقررات في المؤتمرات الدولية السابقة، تحت إشراف الأمم المتحدة.

 

عقدت عدة مؤتمرات إقليمية لمتابعة توصيات مؤتمر بكين، والتمهيد للمؤتمر التنسيقي الدولي لمتابعة تطبيق قرارات المؤتمرات الدولية للمرأة، وقد عقدت عدة مؤتمرات إقليمية لتحقيق هذا الهدف:

 

•                     نوفمبر 1999م: مؤتمر تونس، لدول المغرب العربي.

 

•         نوفمبر 1999م: المؤتمر النسائي الأفريقي السادس في أديس أبابا- إثيوبيا، نظمه المركز الأفريقي التابع للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية.

 

•         مارس 2000م: مؤتمر المرأة الخليجية في البحرين والذي نظمته جمعية فتاة البحرين تحت شعار (الفرص، والمعوقات، والأدوار المطلوبة).

 

•         مارس 2000م: بكين+5 في نيويورك- الولايات المتحدة، وقد أدخلت فيه بعض التعديلات على وثيقة مؤتمر بكين"[19].

 

وما سبق نزر يسير وقليل من كثير تضمن بعض مراد القوم، وأسفر عن الوجه الكالح لقضية المرأة والمساواة التي ينادون بها فبعد كل هذا لعاقل أن يسأل: أحقٌّ ما يزعمه هؤلاء من أن الانتصاف للمرأة، وانتزاع حقوقها، ومحاربة العادات والتقاليد التي تجور عليها، هو الدافع وراء كل هذه المؤتمرات والندوات، وورش العمل والسمنارات، والمنظمات، والمفوضيات أم أن قضيتها مجرد (ساتر) لتحقيق مآرب أخرى؟

 

ولم تتعامى هذه المؤتمرات عن النتائج الوبيلة لدعاوى التحرير في كثير من بلاد الله؟

 

ولم تسعى لفرض نمط واحد على كل المجتمعات رغم اختلاف مشكلات النساء فيها؟

 

ولم لا تراعي الفوارق الثقافية والدينية بين المجتمعات في تحديد ما يعتبر ظلماً وما يعتبر واجباً دينياً ما دامت نساء ذلك المجتمع يدنَّ بذلك الدين؟

 

ألا يعد فرض ثقافة واحدة على كل العالم إرهاباً حضارياً، وتمييزاً ثقافياً؟! بلى ولكنه حكم القوي على الضعيف.

 

وسائل أخرى للقوى الخارجية:

 

أشرنا إلى أحد أخطرها وهو عقد المؤتمرات الدولية لمناقشة قضايا المرأة والأسرة، والخروج بتوصيات يُسعى لفرضها على كل الدول، ومن وسائلها المستقلة أو المتفرعة عن هذا ما يلي:

 

-        التذرع بانتهاك حقوق الإنسان، وهو مصطلح فضفاض يفهم حسب المصلحة، فمنع اللباس المنافي لدين الأغلبية في السودان مثلاً يعد انتهاك لحقوق الإنسان لكنه في فرنسا يعتبر ديمقراطية!

 

-        تلجأ الدول الغربية لنشر ثقافتها عن طريق المراكز الثقافية التي تتناول قضايا المرأة في حلقات النقاش وفي مقررات تدريس اللغة، وغير ذلك من المناشط التي يراد منها تصدير أنماط السلوك والحياة الغربية.. ترعاها السفارات الغربية في كثير من الدول الإسلامية.

 

-         الجوائز العالمية مثل جائزة المرأة الشجاعة التي ابتدعتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس في مارس 2007م. قالت وكيلة وزارة الخارجية لشؤون الديمقراطية والشؤون العالمية بولا دوبريانسكي: "الوزيرة كثيراً ما تحدّثت عن شجاعة النساء حول العالم وضرورة تأييد جهودهن،  ولذا فإن هذه الجوائز تعبّر عن رغبة الوزيرة رايس فيالتأكيد على إنجازات النساء المتميزات عالمياً، مع التركيز على النساء اللواتي فيالخطوط الأمامية". وقدمثّلت السيدات اللواتي كرمن كلاًّ من أفغانستان والأرجنتين وإندونيسياوالعراق ولاتفيا والمالديف والمملكة العربية السعودية وزيمبابوي. وخاطبت رايس الحاضرات بقولها: "المسيرة ما تزال طويلة أمام المساواة في الحقوق"، وذكرت لهن حكمة كتبت على قميص تي شيرت أهدته لها نساء الكويت كما قالت وهي عبارة: "نصف الحرية ليستحرية أبداً".

 

-        الضغط على الدول، وربط الإعانات الاقتصادية بتنفيذ مقررات المؤتمرات الدولية.

 

-        تلميع من يزعم أنهن ضحايا الظلم والتمييز، وتبنيهن، وعكس صورة سيئة عن المجتمعات المسلمة من خلالهن. وإحدى أحدث المسرحيات من هذا النوع هي مسرحية "الطفلة اليمنية نجود الأهدل". فقد كرمتها الولايات المتحدة كواحدة من أشهر نساء العالم! ووضعت في قائمة أشهر نساء العام جنباً إلى جنب مع كوندوليزا رايس وهيلاري كلينتون في إحدى المجلات الأمريكية. وتلقت دعوة من إحدى المؤسسات الفرنسية لدراسة اللغة في فرنسا. ودعوة من إحدى القنوات الألمانية للمشاركة في أحد البرامج، وكذلك دعوة من برنامج أحمر بالخط العريض بقناة LBC اللبنانية. فيا ترى ما الذي فعلته نجود لتحظى بكل هذا الاهتمام العالمي؟

 

كل ما في الأمر أنها تزوجت وهي دون العاشرة من عمرها برجل يبلغ عمره ثلاثة أضعاف عمرها. طيب وما الغريب في الأمر؟ هذا أمر متكرر في كثير من الدول ويعد أمراً طبيعياً في اليمن، كما أن زوجها هذا شاب، وفي بيئتها من تُزوج وهي في سنها بمن هو في مثل سن جدها.

 

الذي يُميز نجوداً هو ذهابها لإحدى المحاكم وحدها (هكذا صوروا ولا نتصوره بغير دفع بعضهن/هم) ومطالبتها بفسخ عقد الزواج. صحيح أن قوانين البلد تسمح بذلك لكن الأمر الذي يراد التركيز عليه هو تجاوزها لعرف منطقتها وتحديها لأهلها وزوجها، وهذا هو المطلوب في هذه المرحلة من كل نساء المنطقة؛ التحدي والخروج على الأعراف. وليست الرسالة المراد إيصالها هي أن القانون منصف، إنما المراد التركز فقط على فداحة خطر تزويج الصغيرات والصغر عندهم يمتد حتى الثامنة عشرة وفي أقل الأحوال السادسة عشرة، وعلى انتزاع الحق بالتمرد.

 

جاءت إحدى الصحفيات إلى نجود في مأرب باليمن وتعرفت على تفاصيل حياتها، ثم صدر كتاب يوثق لحياتها بثمان لغات ليس من بينها العربية! وتبرع ناشر فرنسي بنشر الكتاب! لنا أن نتخيل ما الذي يمكن أن يملأ دفتي كتاب من حياة طفلة لما تبلغ الثانية عشرة من عمرها؟ وكيف تضمن أنهم ضمنوا في الكتاب أقوالها دون زيادة أو نقصان فلا هي ولا من حولها يتقن أي لغة من اللغات التي كتب بها. ثم سافرت برفقة إحدى الصحفيات اليمنيات لتدشين الكتاب رسمياً في فرنسا عبر مؤتمر صحفي وترويج أعلامي واسع في أكثر من دولة أروبية, ثم زارها ناشر الكتاب في  اليمن واشترى لها منزلاً بمبلغ 27 مليون ريال يمني, وقدم لها دعوة لدراسة اللغة الفرنسية في باريس وتكفل بكل مصاريف الدراسة والسكن والنفقة إضافة إلى السماح برفقة أحد إخوانها الذي سيتعلم الفرنسية أيضاً. كما تعهد بإرسال ألف دولار شهرياً  كمصروف شهري لأسراتها.

 

وما علمت الفتاة المسكينة أنها مجرد أداة لتشويه صورة الإسلام عند الناطقين بكل هذه اللغات، وأن ما منحوها من أموال ما هي إلا جزء قليل من أرباح هذا النوع من التجارة.

 

وقفات:

 

-                التسليم بأن العالم الغربي عالم متقدم هو الخطوة الأولى لتقبل ما يأتي منه. قد يكون متقدماً من ناحية تقنية لكن في الساحة كذلك كثير من الدول الشرقية التي تضاهيه تقدماً وتطوراً، فلم التركيز على الغرب دون الشرق؟ أم أننا سنسلم بمقولة المستعمرين: الغرب موطن العلم والحضارة، والشرق دار السحر والأساطير... على أن جميعهم إنما كان تقدمهم في العلم بظاهر من الحياة الدنيا، والمسلمون يملكون التقدم الحقيقي الذي يكفل لهم حياة أبدية مطمئنة.

 

أما من ناحية القيم والأخلاق، فالغرب والشرق المستغرب يمثلان أسوأ نموذج مر عبر التاريخ، إذ لم يمر على البشرية عهد كانت الفاحشة فيه على قارعة الطريق تنساب ليل نهار كما هي اليوم على الرغم من كل التبذل الذي يحكيه التاريخ عن الإغريق القدماء والرومان، ومزدك الفارسي وغيرهم من مشاهير التاريخ. ولم يمر على البشرية عهد كانت الفاحشة الشاذة بجميع ألوانها يشرع لها في البرلمانات وتقنن القوانين لحمايتها وتؤسس النقابات لتدافع عن حقوقها وتتبنى المحافل الدولية قضيتها فتجعلها إحدى الحريات الرسمية التي تطالب الدول بإتاحتها لأفرادها وإلا عوقبت بمنع المعونات عنها كما هو حادث اليوم. أما تفكك روابط الأسرة! بل مبدإِ الأسرة ذاته! فلا يتخيل العاقل أن تهوي الإنسانية في يوم من الأيام إلى درك أعمق مما عليه الحال الآن في الغرب والشرق المستغرب.

 

-                لفظة تحرير المرأة هي نوع من تزويق الفساد وبهرجته لتتقبله النساء وإلا فحقيقته كما قال الرافعي -رحمه الله-: "إما شرود المرأة لالتماس الرزق حين لم تجد الزوج الذي يكفيها، أو الأب الذي يعولها، أو الأخ الذي يقيم لها ما تحتاج إليه؛ فمثل هذه هي حرية النكد في عيشها، وليست هذه بحرية، إنما هو الاستعباد للعمل شر ما تستعبد امرأة" وإلاّ فمتى كان فقد الزوج الكافل، والأب العائل، والأخ الباذل حرية؟! "، فهم سلبوها ما كفلته الشريعة لها من الرزق الواجب على هؤلاء ليستعبدوها لأهوائهم أو أهوائها! إن  انطلاق المرأة في عبثاتها، وشهواتها، تخالط الرجال، وتتمادى في الطيش والتهتك، ولا تتقيد إلا بحرام المدنية وحلالها، ولا تأبه بخزي ولا عار ما دام القانون المدني لا يحاسبها عليه، ليس بحرية، إنما تستعبدها الشهوات، شر ما يستعبد آدمي، "وأي حرية تلك التي تطلق لك العنان من أجل السقوط في الهاوية؟! "وأما غطرسة المرأة المتعلمة، وتعاليها على الرجال والنساء معاً، فلا ترضى بالرجل قيِّماً عليها، فهي من أجل ذلك مُطْلَقَة مُخلاَّة، كيلا يكون عليها سلطان ولا إمرة، فمثل هذه حرة بانقلاب طبيعتها وزيغها، وهي مستعبدة لهوسها، وشذوذها، وضلالها شر ما يكون الاستعباد.

 

حرية المرأة في هذه المدنية أَوّلُها ما شئتِ من أسماء وأوصاف، ولكن آخرها دائماً: إما ضياع المرأة، أو سقوط المرأة"[20].

 

-                لا توجد مساواة حقيقية حتى في أكثر الدول التزاماً بمثل هذه الدعوات الهدامة، بل حتى فرنسا التي شاركت المرأة الرجل في إشعال أولى ثورات الحرية فيها لم تحكمها امرأة قط. بل ما تزال شخصية المرأة فيها مرتبطة بالرجل فجنسيتها تبعاً لجنسية أبيها، فإن تزوجت صارت جنسيتها تبعاً لزوجها وكذلك اسمها.

 

-                أما بالنسبة للعمل، صحيح أن النساء هجرن البيوت وخرجن للعمل لكنهن لا يعملن حقيقة في مجالات عالية، بل في الغالب في العلاقات العامة والسكرتارية والضيافة الجوية وما شاكل.

 

-                 الدعوة للمساواة بين الجنسين فيه ظلم صريح للمرأة، لأنها تقاسم الرجل مسئولياته، بينما خلقته تحيل عليه أن يقاسمها أشق مسئولياتها، فمن مصلحة المرأة المناداة بالعدل لا بالمساواة.

 

-                 خروج المرأة للعمل ظلم لها وللمجتمع، ويكفي أن نعرف أن الاتحاد السوفيتي كان شديد الصرامة في تطبيق خروج الجميع للعمل، لكن في النهاية شهد آخر قادته بفشل هذا النظام. يقول ميخائيل جورباتشوف: "لقد اكتشفنا أن كثيراً من مشاكلنا في سلوك الأطفال والشباب وفي معنوياتنا وثقافتنا وفي الإنتاج، تعود جزئياً إلى تدهور العلاقات الأسرية، وهذه نتيجة مناقضة لرغباتنا المخلصة والمبررة سياسياً لمساواة المرأة بالرجل في كل شيء... ولهذا السبب فإننا نجري الآن مناقشات جادة في الصحافة وفي المنظمات العامة وفي العمل والمنـزل، بخصوص مسألة ما يجب أن نفعله لنسهل على المرأة العودة إلى رسالتها النسائية البحتة"[21].

 

وفي الختام:

 

ما سبق بعض ما يريدون من المرأة كملته بذكر بعض وسائلهم في تحقيقه حتى يتفطن الناس إليها، وحتى لا يغيب عن بال بعض الطيبين إذا رأوا الوسيلة تستخدم من قبل مشبوهين ما يراد بعدها.

 

ولو تدبرنا كتاب رب العلمين لكنا في غنى عن هذه المحاضرة:

 

]يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)[ [النساء] فالله يريد أن يخفف عنا، ومن أراد أن نخالف شرع الله متأولاً أو معانداً فإنما يريد أن يعنتنا.

 

]فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89)[ [النساء].

 

ومن اللطائف أن الآيات السابقة جميعها في سورة النساء فتأمل النكتة! وقال تعالى:

 

]وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)[ [البقرة].

 

]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)[ [آل عمران].

 

]وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)[[البقرة].

 

]وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)[ [البقرة].

 

]وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37)[[الرعد].

 

والآيات في هذه المعاني كثيرة، والمقصود أن ذلك هو مرادهم الذي قال الله! فهل بعد كلام الله كلام ومع قوله قول؟ وهل يحسن بعد ذلك مسلم الظنَّ بمن أبان الله طويته، وأظهر باطنته؟

 

نفعني الله وإياكم بآي الذكر الحكيم، وأجارنا أن نكون عنها معرضين أو لها مخالفين، وإياه نسأل البصيرة في واقع الأمة وما يكاد لها، مع الفقه في الدين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

 

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

 

[1] مستفاد من محمد إسماعيل المقدم، عودة الحجاب، ص 27، وحمد محمد حسين، الإسلام والحضارة الغربية، ص92.

 

 

[2]كما ذكرت محاسن عبد القادر حاج الصافي والتي كانت واحدة منهن في كتابها نساء أمدرمان ص30.

 

 

[3] انظر: وليد الطيب وأحمد محمد أحمد اسماعيل: أضواء على الحركة النسوية السودانية النشأة والتيارات والتحالفات، كتاب البيان 1430، ص70- 76.

 

 

[4] الترابي مثلاً منته فيها أفتى بالجواز، وغيره من المتوسطين كالجديع توسط فقال باستمرارها لو أسلمت تحت كافر.

 

 

[5]  عن المرأة المسلمة بين الغزو والتقريب، للدكتور زيد بن محمد الرماني، ص44 بتصرف.

 

 

[6]  كلمات من بعض قصص الأديب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي، بتصرف يسير.

 

 

[7] انظر: عبد الله الداود، هل يكذب التاريخ، ص229 وما بعدها.

 

 

[8] قاسم أمين، الأعمال الكاملة، ص42.

 

 

[9] انظر عبد الله الداود، هل يكذب التاريخ، 16- 17.

 

 

[10] انظر في الحديث عن دور سعد زغلول في حياة مصر الحديثة ،  محمد قطب، واقعنا المعاصر، ص 311.

 

 

[11] عن مجلة الهلال فـي الاحتفال بالذكرى العشرين لوفاة قاسم أمين، عدد أول يونيه سنة 1928 م ص 948.

 

 

[12]  طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر، ص 46، نقلا عن محمد قطب، التنوير، ص33.

 

 

 

 

[13] انظر عبد الله الداود، هل يكذب التاريخ، 234-235.

 

 

[14]CEDAW وهي مأخوذة من تجميع الحروف الأولى لـ Convention on Elimination of All forms of Discrimination Against Women

 

 

[15] د. فؤاد بن عبد الكريم آل عبد الكريم: المرأة المسلمة بين موضات التغيير وموجات التغرير، ص16-17 بتصرف، وقد نقل عن الشبكة العنكبوتية، موقع وزارة الخارجية-مكتب برامج الإعلام الخارجي، على الرابط http://usinfo.state.gov/arabic/wfsub.htm

 

 

[16] بعبارة أكثر وضوحاً: من الممكن أن تتكون الأسرة من رجل وامرأة (أسرة تقليدية كما يسميها كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة)، أو من رجلين، أو من امرأتين (طبعاً يمكن أن تسمى الأسرة التقدمية أو العصرية كما يفهم من تعبير المسئول الأممي).

 

 

[17]Gender كانت حتى منتصف القرن الميلادي الماضي مرادف للفظة sex والتي تعني جنس أو نوع، إلا أن الواقع الجديد الذي فرضته الجمعيات النسوية ودعاة الحقوق المدنية اضطر الأكاديميين لاسيما الباحثين في القضايا الاجتماعية والثقافية إلى التفرقة بين اللفظين، ثم صارت الحركة النسوية تدعو لتجاهل كلمة sex والاقتصار على gender لأنه لا داعي للتمييز بين الجنسين! ثم دخلت كلمة جندر المعجم الإعلامي العربي وابتدعت لها اشتقاقات مثل الجندرة، ويجندر..الخ. حسب الدراسة التي نشرتها الأكاديمية القومية الأمريكية في أبريل 2001م، sex: قاسم ثنائي على أساس الفروق العضوية، فالمرء إما ذكر أو أنثى. Gender: نوع مستمر التغير تؤثر فيه التنشئة الاجتماعية، فالمرء قد تكون فيه ذكورة عارمة، أو أنوثة خالصة، وقد يكون مزيجاً منهما.  

  

[18] ابتدعوا اسماً جديداً للداعرات وهو: عاملات الجنس!

  

[19] د. فؤاد بن عبد الكريم العبد الكريم: ورقة عمل بعنوان: العولمة الاجتماعية للمرأة والأسرة، بتصرف.

 

 

[20] من وحي القلم، مصطفى صادق الرافعي، (1/294-295) بتصرف.

  

[21] تحرير المرأة المسلمة في عصر الرسالة 2/455-456، نقلاً عن البروستريكا لجورباتشوف ص 138.

أضف تعليق


كود امني
تحديث